ما كانت التفاصيل الصغيرة إلا حيثيات تؤدي تلقائياً ومباشرة الى العناوين الكبيرة، أو المضامين الرئيسية. ويسري الحكم المتواضع هذا على الأداء الشخصي الخاص، كما على الأداء الأشمل والعام.
ويبدو الأمر حُكماً مبرماً لا يُجادل ولا يُناقش. بل يكاد أن يكون شبيهاً بتركيبة علمية ناشفة. مسألة في الحساب. أو توليفة كيماوية، أو قياساً فيزيائياً. ولا تأثير هنا لأي اعتبار مهما صغر أو كبر، على النتيجة الأخيرة. يعني أن واحداً زائداً واحداً يساوي اثنين. لا يمكن الاستطراد أمام هذا المطلق.. وكل مطلق لا يُجادل، وبالمطلق!
ولأن الأمر كذلك، سأعود مرة أخرى لأتكل على الله، وأستعير القياس والطباق وأدلفهما على حالة إعلامية مَرَضية تكاد أن تصير عصية على أي علاج. وبذلك أدّعي أن النهايات الماثلة أمامنا لحالات نظامية سلطوية شديدة البأس والقوة والبنيان والعمران والطاقات والإمكانات، ليست إلا نتاجاً طبيعياً لجملة مقدّمات وتراكمات وتفاصيل صغيرة، أولها وأبرزها الأداء الإعلامي والتبليغي الرخيص والبائس.
يعني في التفصيل السريع: لا تركب معادلة الأداء السياسي الصحيح مهما كان تنظيمه مرصوصاً وممسوكاً ولبّ شعاراته طنّانة رنّانة، إذا أُوكل أمر تبليغه الى سفهاء وقُصّر. وإذا كُلّف بإشاعته على الناس من هم دون أخلاق الناس المعروفة والمألوفة والمنتوفة من شدّة التشذيب الذي طالها كي لا تموت وتذوي.
ولا تركب معادلة العمل المصيري الخاص بمصائر أمم وتحدياتها الداخلية والخارجية، إذا أُوكل الأمر بتعميمه بواسطة لغة سوقية وأداء ابتذالي، وتزوير شرشح التزوير كحرفة يدّعي أصحابها بعض الذكاء والإبداع والألمعية! وإذا تنطّح للتنظير لها حاقد موتور لا يرى أبعد من أنف حقده فيما يريد لنا أن نستمع الى مطالعته البعيدة المدى عن معنى الممانعة وثقافتها وطموحاتها العظيمات.
لا تغطي الممارسات، الصغيرة الشعارات الكبيرة. ولا يُكتب البيان السياسي العام بحبر أحقاد شخصية تافهة ومريضة. ولا تُبلّغ تنظيرات الاتصال بربّ الدنيا من خلال أدوات دونية مأزومة بحالها وحالاتها. ولا يصل البلاغ المتصدّي لطموحات جليلة، إذا كان سُعاة بريده على ضحالة تبزّ ضحالة الرعاع وعسس الاستبداد والعسف.
.. ولا إمكانية لإبلاغنا بمقدار علو كعب مشروع يدّعي التصدي لأخطر التحديات إذا كانت أدواته الإعلامية والإعلانية على ذلك القدر من الانحطاط…
وإذا كانت رسائله طافحة بروائح آسنة! كما لا تصل محاولات إظهار القوة من خلال تحميلها لأقلام ضعيفة وركيكة في منطقها، وأسيرة لعقدها وهلوسات ليلها الطويل.
ومرة أخرى، لم يشهد تاريخ لبنان الحديث أداء سياسياً يماثل أداء بعض الممانعين في بلادنا في هذه الأيام! ولم يدخل مرة واحدة، ابتذال التعرض الشخصي للأخصام، كسلاح يشرّف حامله، بقدر ما كان ولا يزال وسيبقى رذيلة لا تدمغ إلا أصحابها، مهما ادعوا من فضائل ومكارم!
.. ومرة أخرى أيضاً، ما كان ذلك الأداء الناقص والمشوّه والقميء، إلا دلالة مبكرة الى نتائج أكيدة وإن كانت مؤجلة.. نتائج نراها تتوالى على الهواء مباشرة وتدلنا الى أن أنظمة ومنظومات سقطت في "تفاصيلها" الأخلاقية والأدائية والإعلامية، قبل أن تسقط بالثورة المدنية أو المسلحة ضدها!