"أرانب غير أنهم ملوك مفتحة عيونهم نيام"
المتنبي
عندما أعلن المحافظون الجدد في إدارة الرئيس جورج بوش الابن (وجلهم كما هو معروف من اليساريين السابقين) العقيدة الجديدة للولايات المتحدة والمبنية على فرض النظام الديموقراطي بمختلف الطرق والوسائل على الدول غير الديموقراطية بالمعيار العام، كان ذلك منذ أكثر من عقد من الزمن. والجدير بالذكر هو أنه يومها انبرت مجموعة من المفكرين الصهاينة الى مساجلة هؤلاء بالقول ان خيار الديموقراطية المحيطة بإسرائيل قد يشكل خطراً على أمن إسرائيل بناء على الأرجح على أساس المعطيات التالية:
إن واقع الأنظمة الشمولية والديكتاتورية في المنطقة العربية جعلها في وضع ضعيف على مختلف المستويات لانشغال حكامها بهاجس المحافظة على النظام بدل العمل على تنمية دولها إنسانياً واجتماعياً واقتصادياً وبالتالي عسكرياً، وهذا ما أعطى تفوقاً كبيراً للدولة العبرية على سائر محيطها.
إن الواقع القائم خلق استقراراً نسبياً في المنطقة لأن ردات فعل وتصرفات الحكام أصبحت معروفة ومحسوبة ولا تحمل مفاجآت وهذا ما حفظ أمن حدود إسرائيل حتى الآن.
إن إحلال الديموقراطية قد يخلق حراكاً سياسياً إقليمياً غير محسوب الأبعاد، مما قد يؤدي الى عدم الاستقرار.
إن الحكومات الديموقراطية تكون عادة مرآة لرغبات وأفكار الأكثرية من الشعب، وكما هو معروف فإن شعوب المنطقة أفكارها معادية لإسرائيل.
إن إحلال الديموقراطية سيعطي الحكم في المنطقة بعداً شرعياً على المستوى المحلي والدولي ويسقط مقولة ان إسرائيل هي الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.
بالمحصلة فإن النصيحة الإسرائيلية كانت واضحة وهي بترك الأنظمة القائمة كما هي حفاظاً على الاستقرار النسبي وعلى استمرار تدفق النفط الى حين يأتي فيه يوم وينضب، وعندها يخلق الله ما لا تعلمون!
من الواضح اليوم أن آمال مفكري بوش الابن أحبطها واقع مرير جرت تجربته في أفغانستان والعراق، وفي التجربتين أثبت واقع الأمور هو أن فرض أنظمة معلبة على قياسات دول أخرى هو ضرب من المستحيلات، لأن الأنظمة السياسية في أي بلد من البلدان لا يمكن أن تفرض بقرار أو فرمان، ولكن من خلال حراك شعبي وثقافي وسياسي قد يطول أو يقصر، وقد يكون سلمياً أو دموياً، أو أي مزيج من كل ذلك بناء على معطيات ديموغرافية وجغرافية وتاريخية وغيرها، تتفاعل فيما بينها لتنتج في النهاية استقراراً لنظام ما (قد يطول أو يقصر).
ولكن التجربة أيضاً أثبتت أن أكثر الأنظمة ميلاً الى الاستقرار هي التي تحمل معها نوعاً من الممارسة الديموقراطية ومن ضمنها حكم المؤسسات ومبدأ تداول السلطات بشكل سلمي، وبناء على قواعد معروفة وحسب نتائج صناديق الاقتراع.
لماذا كل هذا الحديث اليوم؟ في الواقع هي أن جماهير العرب، ومنذ الانقلاب الأول الذي أتى بأصحاب البدلات العسكرية الى السلطة، تعيش على وقع منطق المؤامرة الامبريالية الصهيونية، وكانت الناس تعتقد أن ذلك الضابط "ابن الشعب البار"، أتى لينقذ الناس من جور الظلم والتعسف وفقدان الحرية، وإذا به يتحول هو وأمثاله الى وحش لا تردعه لا أخلاق عامة ولا شرع إنسانية عن ارتكاب أقصى أنواع الشرور في سبيل تمسكه بالسلطة.
كل ذلك كان يتم تحت شعارات برّاقة مثل "الوحدة والحرية والكرامة"، ولم نشهد على مدى ستين سنة إلا التشرذم وقتل الحرية ودوس الكرامة للفرد وبالتالي للأمة.
تحت منطق المؤامرة فرضت حالات الطوارئ ومنع إنشاء الأحزاب وأصبح كل من يطالب بحق المعارضة خائناً وعميلاً حتى ولو رفع نفس الشعارات التي يرفعها الحاكم. وحتى يحافظ الحاكم على سلطته ترك الفساد يتراكم عن قصد في كثير من الأحيان ليضمن له ولاء الفاسدين، فأدخل الوطن الى شراكة متينة بين السلطة والفساد، وهكذا أصبح أيضاً من يطالب بمحاربة الفساد "عدواً للشعب وعميلاً للمؤامرة التي تحاك ضد أمتنا العربية".
أما إذا أتى من يقول ويؤمن بمنطق المؤامرة، ويؤمن ايضاً بأن النظام القائم هو الضامن لمنع المؤامرة من تحقيق أهدافها، ولكنه يؤمن بنفس الوقت بأن التنافس الشرعي على القيادة ضمن النظام الواحد هو حق وواجب، وأن مبدأ التوريث في السلطة لا تقبل به أي من الأعراف الثورية، وهنا أيضاً سيتهم الحاكم هذا "المتفلسف، المزايد" بالوقوع تحت تأثير منطق دول الغرب في الحكم وبالتالي يصبح عدواً للأمة.
حلقة مفرغة من التخلف والفساد والظلم والتعسف خلقتها هذه الحالة، وكانت الناس قد تسامح لو أن هذا الواقع توج بإنجازات ما على أي من المستويات غير الانتصارات الوهمية التي تهدف لدعم بقاء الحاكم في السلطة الى الأبد وبعد الأبد.
فإن كانت هناك مؤامرة حاكتها الأيدي المعادية، وبالأخص الإسرائيلية، فإنها بالتأكيد مؤامرة بقاء الأنظمة وحكامها كما هو منذ ستين سنة ضمنت أمن حدود العدو المؤقتة وضمنت التفوق النوعي الهائل عليها في كل المستويات.
واليوم، ومع انتفاضة الشعوب العربية من محيطها الى خليجها نبحث دائماً عن أسبابها في المؤامرة، وكأن هذا الشعب ميت وهذا المواطن مجرد مسطول ولا يمكن أن تحركه مصالحه أو أفكاره أو كرامته الذاتية للثورة على الأمر الواقع.
ولكن في كل مرة كانت نغمة المؤامرة تعود للتكرار على ألسنة الحكام. وهنا يحق للمواطن أن يتساءل فإن كانت كل أو بعض هذه الانتفاضات مؤامرة فكيف يعالج الحاكم المؤامرة بإلغاء قانون الطوارئ ومحاربة الفساد وإطلاق الحريات طالما أن قانون الطوارئ والتغاضي عن المفسدين وخنق الحريات كانت في الأساس من ضروريات مواجهة المؤامرة الصهيونية ـ الامبريالية؟
وإذا كان انتصار الثورة في الدول العربية الأخرى حدثاً مدوياً، فإن انتصار الثورة السورية سيكون له تداعيات مهمة على ما يسمونه معسكر الممانعة الإقليمي الذي يضم إيران وأدواتها وسوريا وأدوات نظامها.
فمنذ أكثر من ثلاثين سنة وضعت أسس هذه المنظومة والتي تعتمد على المواجهة من خلال الخطب والكلام والتهديدات في حين أن الجبهات خرساء فيما عدا جبهة لبنان حيث استعمل هذا البلد كساحة للدمار والموت بالنيابة عن إيران وسوريا، في وقت لم تتورع إيران من المشاركة في فضيحة إيران غيت ولاحقاً عوفرغيت، وفي وقت استمرت المساومات والمفاوضات بين النظام في سوريا والولايات المتحدة وإسرائيل.
إن سقوط هذا المعسكر سوف يعطي الفرصة الحقيقية لمواجهة أطماع إسرائيل من خلال المشاركة الواعية لشعوب المنطقة لبناء المقاومة المجدية بعد حصولها على حقها في المشاركة في الحكم وبناء ديموقراطية قادرة على تحقيق الإنماء وعلى مواجهة الأطماع الإسرائيلية، ويعيد بالتالي لبنان كشريك في هذه المواجهة بدل أن يكون الضحية الوحيدة لمعسكر الممانعة.
