كتب عباس صالح في "النهار": النقص في عديد الاجهزة الامنية في لبنان، لا بد الا ان ينعكس سلبا على حيوية الدولة ويترجم تباطؤا غير عادي في القيام بالمهمات الموكولة اليها، فكيف والحال مع النقص الفاضح في عديد وملاكات عدد من الاجهزة الامنية التي تضطلع بأدوار كبيرة في عملية حفظ الامن والنظام، و السهر على استقرار البلاد في محيط يعج بأزماته وفي عصر موسوم بأنه زمن التمرد والخضات والعواصف الامنية؟ وكيف اذا ما اضيفت الى ازمة النقص في عديد الاجهزة الامنية، مشكلة الشغور في مراكز القيادة على مستوى الفئة الاولى؟ لا شك ستكون القاعدة السائدة في هذه الحال هي قاعدة "سارحة والرب راعيها".
يتبدى لأي متابع ومهتم ان اطلالة سريعة على ارقام ملاكات اجهزة الدولة الامنية والمدنية معا في اطار ملف التعيينات ستقود الى استنتاجات كثيرة يمكن ان يستشف منها جوانب مخفية من اسباب العجز الامني عن خوض غمار الكثير من الملفات الصعبة محليا.
فعدد الملاك المفترض لقوى الامن الداخلي كان يجب ان يبلغ 29495 في العام 1990 موزعين بين 1718 ضابطا و27777 رتيبا وعنصرا. الموجود منهم اليوم هو 25168، موزعين بين 908 ضباط من اصل 1718 ضابطا و21445 رتيبا وعنصرا من اصل 27777 رتيبا وعنصرا.
هذا العدد لم تبلغه المؤسسة الامنية الا بشق الانفس في عهد المدير العام الحالي اللواء اشرف ريفي، الذي عمل منذ تسلمه زمام قيادتها على تنسيب مجندين مددت خدماتهم بداية، قبل ان يخوض معركة تثبيتهم في الملاك والتي استغرقت وقتا طويلا، لتنشأ منها ازمات طائفية الطابع مع الخلل الذي احدثته تلك العملية على مفهوم التوزيع المتساوي طائفيا لوظائف الدولة. ولكن هذه الازمة الجانبية لم تدم طويلا، اذ سرعان ما قرر ريفي تعيين العدد الاكبر من المسيحيين المتقدمين بطلبات الى المؤسسة بحيث يعيد الكفة الى توازنها على المستوى الطائفي في المؤسسة التي تعني جميع اللبنانيين، وتقرر اجراء دورة لقوى الامن الداخلي مفتوحة لجميع اللبنانيين تقدم اليها عدد كبير من جميع الطوائف، واجريت المباراة على جميع المتقدمين باستثناء المسيحيين، الذين اعتبروا جميعهم ناجحين بالتزكية وتم تعيينهم مباشرة وألحق منهم نحو الفي عنصر في اربعة معاهد تدريب حيث ما زالوا يخضعون للتدريبات في اربع ورش تدريب، الاولى في معهد قوى الامن في الوروار والثانية في الضبية والثالثة في معهد عرمون والرابعة عند الجيش في حمانا. اذ ان هناك قرارا من مجلس الوزراء يقضي بضرورة التوازن الاسلامي المسيحي في المؤسسة التي تشهد اليوم وللمرة الاولى منذ 50 عاما حضورا مسيحيا بين صفوفها يفوق الاربعين في المئة من عديدها.
فالاقبال المسيحي اليوم على مؤسسة قوى الامن ذكورا واناثا اصبح نوعيا من حيث البنية الجسدية المطلوبة او المستوى العلمي المتقدم.
الى ذلك، اعلنت اسماء نحو 2080 بصفة مقبولين وناجحين في المباراة من اصل 4000 عنصر. ويتوقع إلحاق الجميع ذكورا واناثا بعد نحو ثلاثة اشهر بعد تعيين مجلس قيادة قوى الامن الداخلي.
بعد ذلك يصبح العدد الاجمالي لقوى الامن نحو 26 الفا. وتم رفع طلب الى مجلس الوزراء بضرورة تعيين نحو 2000 عنصر جدد غير هؤلاء، ليصبح العدد آنئذ قريبا من العدد المفترض ان يكون عليه الملاك منذ العام 1990. مع العلم ان الواقع الامني الحالي يتطلب ان يكون العدد أكثر من ذلك بكثير، ولدى المؤسسة دراسات حول الحاجة الفعلية لقوى الامن في المستقبل تتجاوز هذه الاعداد بأضعاف وأضعاف.
أمن الدولة
الخلل الطائفي الذي كان سائدا في المديرية العامة لقوى الامن الداخلي، لم يشكل يوما عائقا في المديرية العامة لأمن الدولة القائمة بتوازن طائفي مرض الى حد كبير، لكنها تشهد نقصا هائلا في الامكانات البشرية والمادية على السواء كما في التجهيزات والعتاد اللازم يشبه النقص الحاصل في كل ادارات الدولة وأجهزتها ومؤسساتها.
ولأن الارقام يجب ان تبقى سرية في جهاز أمن الدولة كما في مديرية المخابرات في الجيش، يعزف مصدر مسؤول في المديرية عن الخوض في لعبة الارقام، ويكتفي بالقول لـ"النهار": "لدينا شغور بنسبة 40 في المئة في عديدنا، ولدينا نقص كبير في الامكانات والتجهيزات، ويلزمنا الكثير، والمؤسسة لا يشوبها أي خلل طائفي في هيكليتها الوظيفية".
أما عديد أفراد المديرية العامة للأمن العام وفق هيكليتها الاساسية فيبلغ 5644 فردا مقسمين بين 469 ضابطا و5175 مفتشا ومأمورا. ويجري حاليا تطويع عدد محدود جدا من ضباط الاختصاص لصالح المديرية، وهم 3 أطباء صحة عامة، وطبيبا أسنان وطبيب صيدلي وطبيب مختبر.
الدفاع المدني
في المديرية العامة للدفاع المدني مهمات كثيرة وكبيرة وعديد يسير ومتواضع. فالعدد الاجمالي لموظفي الدفاع المدني على الاراضي اللبنانية يبلغ 788 موظفا موزعين بين 38 موظفا في الملاك و104 متعاقدين و640 أجيرا و6 على الفاتورة، علما بأن عدد المحالين الى التقاعد لبلوغهم السن القانونية خلال عامي 2010 و2011 بلغ 33 متقاعدا بين ملاك دائم وأجراء. والحد الادنى الذي يحتاج اليه الدفاع المدني اليوم هو في حدود 2000 موظف دائم لكي يتمكن الجهاز من القيام بمهماته المنوطة فيه والتي تراوح نسبتها في خلال أشهر الذروة بين 110 و120 عملية اطفاء ونحو 160 عملية اسعاف وانقاذ.
واذا كانت الارضية الصلبة التي يتكئ عليها الدفاع المدني هي عديد المتطوعين الذين يطول الكلام عن معاناتهم، والوعود التي يتلقونها دائما من الوزراء المتعاقبين فان اطلالة على عدد مراكز الدفاع المدني التي تبلغ نحو 200 مركز في لبنان، ومقاربتها من زاوية أن كل مهمة تحتاج الى سائق شاحنة و4 مساعدين على الاقل، ليتضح كم هو العدد المطلوب لـ200 مركز، علما بأن المركز قد يطلب منه أكثر من مهمة في وقت واحد.
المناكفة، وغياب التوافق السياسي، والتحاصص في معظم الاحيان هي الاسباب المباشرة وراء النقص الكبير في الاجهزة الامنية للدولة، فكيف لوطن ان يبنى في ظل عوائق من هذا الطراز، وهل المطلوب ان يبقى لبنان بالشكل الذي هو عليه اليوم؟