كتبت منال شعيا في صحيفة "النهار": هل السلطة في المجلس او لدى رئيسه؟
وسط طفرة الحديث عن التعيينات ومحاولة الحكومة الإكباب على هذا الملف، يبدو مجلس النواب في منأى عن "هذه الكأس". ببساطة، لان ملاك مجلس النواب يخضع لسلطة مستقلة قائمة في ذاتها. هي فقط رهن "تفويض" من رئيس المجلس.
يحكى الكثير عن الكادر الوظيفي في المجلس، وشحيحة هي المعلومات المرفقة بالارقام التي تظهر ما اذا كان بالفعل ثمة خلل في التوزيع الطائفي، على رغم الكلام الكثير عن غلبة طائفة على سواها من الطوائف.
الكل يتذكر انه في آب 2010، وفي عهد الحكومة السابقة برئاسة سعد الحريري، عرض وزير الدولة لشؤون التنمية الادارية انذاك محمد فنيش امكان تعيين موظفي المجلس في وظائف الفئة الاولى في الملاك الاداري العام، بعدما كان المجلس قرر في تموز 2010 استطلاع رأي مجلس الخدمة المدنية لاتخاذ الاجراء المناسب.
يومذاك، سيق الكثير من الاعتراضات. على خط مجلس الخدمة المدنية، تحدثت مطالعته عن "عدم قانونية العرض"، لانه يناقض آلية التعيين، وعلى خط مجلس الوزراء، طار هذا البند، لان وزراء كثرا، ولا سيما منهم المسيحيين لم يوافقوا عليه، بعدما كان مدرجا على جدول اعمال جلسة مجلس الوزراء في 18 آب 2010.
البداية من القانون
في المحصّلة، يتبيّن من جملة معلومات مستقاة من مصادر مختلفة، ان شروط تعيين موظفي المجلس مغايرة لشروط تعيين الموظفين في الادارات العامة، لأنهم لا يخضعون لاعتبارات قانونية استنادا الى الدستور وصلاحية تعيين الموظفين التي ترتبط حصرا بمجلس الوزراء وفق التعديل الدستوري في 21 ايلول 1990، فيما تعيين الموظفين في المجلس لا يزال خاضعا لقانون صادر في 14 تشرين الاول 1943.
من هنا اذاً، نقطة الانطلاق. القانون يختلف، اي ان الآلية مختلفة ايضا، ومن المحتّم ان تكون النتيجة ايضا مختلفة.
فهذا القانون الذي "ينظم" آلية التوظيف، يتكلم في مادته الرابعة عن "تفويض رئيس مجلس النواب تنظيم ملاك موظفي ديوان المجلس وتحديد عددهم ورتبهم ورواتبهم وتعيينهم وترقيتهم بقرارات يصدرها، تصبح نافذة بمجرد صدورها".
كذلك، فان قرارات تعيين الموظفين تخضع لرقابة مجلس شورى الدولة، اما في المجلس، فالمعادلة تختلف، لان شورى الدولة، يعتبر الاعمال الصادرة عن رئيس مجلس النواب والمتعلقة بتعيين موظفين او صرفهم او تأديبهم، تتمتع بالحصانة، اي لا مراجعة في شأنها.
امام هذا الواقع "المشرّع"، لا بد من سؤال: هل ان ملاك مجلس النواب، ومنذ تحديد هيكليته، يعتبر "متميزا" عن ملاكات بقية المؤسسات؟ ام ان ثمة واقعا فرض نفسه تحديدا بعد انتهاء الحرب الاهلية، اي منذ تقاسم مرافق الدولة حصصا ما بين طوائف معينة؟
يقدّم الدكتور في القانون الاداري محيي الدين القيسي عبر "النهار" شرحا تفصيليا لهذا الواقع، يوضح: "في 14/10/1943 أقرّ مجلس النواب القانون المتعلق بتحديد تعويض النواب ونفقاتهم، وتضمن في المادة الرابعة منه تفويضا لرئيس مجلس النواب بتنظيم ملاك موظفي ديوان المجلس بقرارات يصدرها. وفي 19/3/1953 اصدر رئيس مجلس النواب آنذاك احمد الاسعد قرارا حمل الرقم 66، يتعلق بتنظيم دوائر مجلس النواب، التي حددت بالمديرية العامة والديوان ودائرة اللجان ودائرة المحاضر، ونصت المادة 2 منه على ان "يعاون رئيس المجلس في الادارة، المدير العام وهو الرئيس الاعلى لجميع الموظفين المنتسبين الى المجلس. اما في 10/6/1971 فأصدر رئيس مجلس النواب آنذاك كامل الاسعد ثلاثة قرارات تتعلق بنظام موظفي مجلس النواب وتنظيم دوائر المجلس وتوزيع وظائف الفئتين 4 و5 في المجلس. ثم في 18/12/1985، اصدر رئيس مجلس النواب آنذاك حسين الحسيني قرارا رقمه 91 يتعلّق بنظام موظفي مجلس النواب، بناء للتفويض نفسه الوارد في قانون العام 1943.
وبناء للنظام الداخلي للمجلس المصدق في 22 نيسان 1983، وقرار هيئة مكتب المجلس في 18/12/1985 وقد حدّد فيه الوضع القانوني للموظفين واصول تنظيم المباريات والامتحانات لوظائف المجلس، حددت ايضا آلية التعيين بقرار من رئيس مجلس النواب، اذ يتم نقل الموظفين وانتدابهم واعفاؤهم ووضعهم خارج الملاك أو في الاستيداع، بقرار من رئيس المجلس".
وفق هذه "القراءة" القانونية، يتبيّن ان هذه الآلية لم "تستعص" على اي رئيس مجلس نواب، اي انها لم تكن محصورة في عهد او شخص، بل شكلت "مسار عمل" كل رؤساء المجلس المتعاقبين.
طريقة التوزيع
وبعد، كيف يمكن تقويم الكادر الوظيفي والحرس في المجلس؟ هل من خلل كبير في التوزيع؟
يجيب القيسي: "من الصعب تحديد هذا التوزيع، قبل معرفة الانتماء، لا سيما ان النصوص القانونية التى ترعى الملاك الاداري في المجلس لا تشير الى طريقة التوزيع الطائفي بين الموظفين. واي خلل في هذه المسألة يبقى منوطا بحكمة رئيس مجلس النواب ودرايته".
في ملاك مجلس النواب تلحظ الهيكلية وجود الامين العام (وهو شيعي) واربعة مديرين عامين هم المدير العام لشؤون رئاسة المجلس (سنّي) والمدير العام للشؤون الادارية والمالية (شيعي) والمدير العام لشؤون الجلسات واللجان (درزي) والمدير العام للدراسات والبحوث (شيعي). اما المكتب الاستشاري فمكوّن من اربعة مستشارين (فئة اولى)، ومستشارين (فئة ثانية) وامين سر (فئة ثالثة). وفي ما يتعلق بالمفتشية العامة، فهي مكونة من مفتش عام (فئة اولى) (شيعي)، ومفتشين (فئة ثانية) وامين سر (فئة ثالثة) واربع رؤساء دوائر.
في المحصلة، ان مجموع موظفي المجلس في الملاك من الفئات الثلاث العليا يبلغ 84 موظفا. اما مجموع الموظفين في الملاك في الفئتين الرابعة والخامسة فيبلغ 159 موظفا، فيكون المجموع العام 243 موظفا.
هذا في الاعداد، انما في التوزيع الطائفي، فلا بيانات معلنة يمكن الاستناد اليها، لتبيان ما اذا كان هناك خلل في التوزيع، لناحية الطوائف، وسط الكتمان ورفض الكلام او كشف المصدر، الا انه من المعلوم ان كل رئيس مجلس، وبحكم التفويض المعطى له منذ العام 1943، كان "يتحكّم" وحده بتعيين من يقرره هو في الكادر الوظيفي، ومن الطبيعي ان يكون هؤلاء من دائرة مؤيديه السياسية، لئلا نقول المذهبية.
والمفارقة ان عملية نقل موظفي المجلس تختلف ايضا عنها لدى موظفي الادارات العامة. يشرح القيسي ان "نظام الموظفين العموميين الصادر بالمرسوم الاشتراعي العام 1959 حدّد طريقة نقل الموظف من سلك الى آخر ومن ادارة الى اخرى، وكذلك طريقة النقل ضمن السلك او الادارة الواحدة، اذ اجيز نقل الموظف بعد موافقة مجلس الخدمة المدنية، شرط توافر شروط التعيين في السلك المراد نقله اليه، ومنها شرط المباراة، وعادة يتم النقل بمرسوم من السلطة التي لها حق التعيين".
هذا بالنسبة الى الموظفين العموميين، اما لموظفي المجلس، قصة اخرى. يلفت القيسي الى ان "نقل هؤلاء تحدد في قانون صادر العام 1986، وعدّل عام 1987، اذ اجيز نقل الموظف في المجلس الى احدى الادارات العامة بالراتب الموازي لراتبه في المجلس، وتحدد رتبته وفق الانظمة المقررة في قانون الموظفين للنقل في الوظائف الشاغرة، بعد موافقة رئيس مجلس النواب، وفق المادة الثانية من هذا القانون، وبمرسوم بناء لاقتراح الوزير المختص ووفق الاصول المقررة في قانون الموظفين في الوظائف الشاغرة.
هل هذا الواقع الذي يمتاز به مجلس النواب، هو تمييز ما بين الادارات، وبالتالي بين موظفيها؟ اي ان ما يحق لمجلس النواب لا يحق لغيره؟ ام ان تفكك بناء الدولة، ومنذ البدايات، لم يترك مجالا لبناء مؤسسات وفق معايير محددة تنسحب على الجميع، بلا تمييز او "تفويض"؟!