منذ صدور مذكّرات التوقيف بحقّ المتّهمين الأربعة في عمليّة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري قبيل أسابيع قليلة، وحزب الله لم يتوقّف لبرهة عن تكرار شعاره الجديد "الأمر لا يعنينا".مقولة سرعان ما أدخلها الحزب قاموس مفردات "اللعبة السياسيّة" غير الخالية من العنف أحيانا.
"الأمر لا يعنينا" لسبب وجيه، وهو أنّ "المحكمة أميركية – إسرائيلية يرأسها صديق لإسرائيل"، لذا من الطبيعي أن يتصرف الحزب وكأن شيئاً لم يكن.إلّا أنّ من يتابع تعاطي قيادة الحزب مع "المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان" يذكر أنّ التعاطي كان إيجابيّا إلى حدّ ما قبل أكثر من عامين حين كانت طريق المونتيفردي تغصّ بسيارات جيب حزبية تقلّ "عناصر الحزب المطلوبين للتحقيق". تَعاطٍ توقّف عند حادثة عيادة الدكتور إيمان شرارة الشهيرة قبل أن يطلق الحزب وبعض المقرّبين منه شعار "المحكمة الإسرائيليّة" "وسنتعامل مع من يتعامل مع المحكمة الدولية كأنّه عميل إسرائيليّ".. يومها، خيّل الى اللبنانيين أنّ الحزب (عقب لهجته الإعلاميّة التصعيديّة وتهديدات المقرّبين منه) سيضيّق الخناق على عمل لجنة التحقيق الدوليّة، إلّا أنّ الأمر لم يكن هكذا، وأكملت اللجنة عملها كالمعتاد في حين استمرّ المدّعي العام الدولي دانيال بلمار بصياغة القرار الاتّهامي.
..التعاطي مع القرار
صدر القرار وقبله مذكّرات التوقيف واعتاد اللبنانيّون على شعار الحزب "الأمر لا يعنينا".. إلى أن فوجئ اللبنانيّون بدعوة رئيس كتلة الوفاق للمقاومة النائب محمد رعد ومعه محامي الحزب سليم جريصاتي (يوم أمس) الى مؤتمر صحافي تناول فيه "الجانب القانوني وما يشوبه من التباسات تتّصل بقواعد عمل المحكمة بغية تقويض الثقة في إمكانيّة الوصول الى كشف الحقيقة، وبالتالي تحقيق العدالة"..فهل بات "الأمر يعنينا؟".. فإن كانت المحكمة فعلاً إسرائيليّة الهوى والأهداف، فلماذا يقارعها الحزب؟ ولماذا لا يبقى متمسّكا بشعاره الممانع "الأمر لا يعنينا"؟
الحاج محمد رعد حسم الأمر واعتبر أنّ القرار الاتّهامي مجرّد "سيناريو واهم، تلعثمت الفبركات الظرفيّة في حبك فصوله بغية إلباس مقاومين شرفاء تهمة ارتكاب جريمة".هنا يسأل مصدر قانوني متابع لملفّ المحكمة الدولية، طالما إنّ المحكمة أصدرت قرارا اتّهاميّا "أملته مصالح أميركيّة وإسرائيليّة" على حدّ تعبير رعد، فلماذا تتعامل الحكومة الحاليّة (والمعروفة بحكومة حزب الله) معها؟ وكيف يسمح الحزب لحكومة يشارك فيها، أن تحاول (كما ادّعت) تنفيذ مذكّرات توقيف صادرة عن محكمة إسرائيليّة – أميركيّة بحقّ أربعة من عناصره؟.
الهدف من استكمال حزب الله حربه على المحكمة، يقول المصدر، هو استباق ما قد يصدر عن المحكمة من قرارات جديدة "أقربها في أيلول المقبل" تضع الحزب ومعه الحكومة الحاليّة في موقع لا يحسدون عليه دوليّا. ويؤكّد المصدر أنّ حركة الحزب تلك وآخرها كان المؤتمر الصحافي الذي عقده كلّ من رعد وجريصاتي هي حركة احتياطيّة لمقاومة ما يشاع عن إصدار مذكّرات توقيف جديدة تتضمّن أسماء معروفة الإقامة "لا تستطيع الحكومة الحاليّة إنكار معرفتها بها" وبالتالي عليها توقيفهم".
الحكومة "مزروكة"
وإذا كانت الحكومة فعلاً تنوي التعامل مع المحكمة الدوليّة، فلماذا لم تسدّد المستحقّات الماليّة تجاهها؟ عِلما أنّ المهلة الزمنيّة للتسديد بدأت في الأوّل من شهر آذار الماضي؟.. "ربّما لم يعد بإمكان حكومة كلنا للوطن الإكمال في إزدواجيّة الموقف" يقول المصدر من دون أن يستبعد استقالتها، الأمر الذي سيحرّرها من الالتزامات تجاه المحكمة الدوليّة "فتصبح حكومة تصريف أعمال تسيّر شؤون المواطنين فقط لا غير". إلّا أنّ تلك الحكومة التي "أتت بدعم من نظام ينازع" أربكت بشكل كبير حين نشرت مجلة الـ time مقابلة مع أحد المتهمين الأربعة. مقابلة ظهَّرت ضعف الحكومة في ملاحقة المطلوبين كما كرّست استهتار الحزب بالأجهزة الرسمية المعنيّة تنفيذ مذكّرات التوقيف الأربعة (وكان الأمين العام للحزب أكّد أنّ أحداً لا يستطيع توقيف المتّهمين الأربعة ولو بعد مرور 300 سنة) وعدم اكتراثه بالمحكمة الدوليّة.