#dfp #adsense

تاريخ..

حجم الخط

تخطف التطوّرات الليبية الأبصار والأنفاس. وتسجّل لحظاتها ودقائقها في خانة صناعة التاريخ بما هي صناعة حوادث وحالات غير مسبوقة، عدا عن كونها ترقيماً وتسجيلاً ونقلاً لواقعات دمويّة، قبل أن تكون أي شيء آخر.

وغريبة دحرجات العجلة عندما تبدأ في الدوران. أوقفها المناخ السياسي والحربي والحزبي والايديولوجي والنفسي العربي في مكانها لمدّة نصف قرن تقريباً، حتى طفح الظن بأنها مكربجة في مكانها، مغروزة في أرض يباب ويباس، ومصبوبة ومدعّمة بالاسمنت المسلّح، وأن التاريخ إيّاه مرّ من أمامنا ومشى، آخذاً على خاطره، ومفترضاً أنّ صفحاته المليئة بالنزاع العربي الإسرائيلي، وبالصراع على السلطة هنا وهناك، كافية لتغييب أي تطوّر آخر، في السياسة والاجتماع والطب والصناعة المدنية والحربية والفيزياء والكيمياء والتربية، وما إلى ذلك من حوادث وخبريّات غير مسبوقة تستحق إيرادها في الصفحات الحاكيات عن الزمان وأحواله وناسه.

غير أنّ السيرة وإن طالت وصلت إلى خواتيمها مع بداية هذا العام المفصلي والغريب.. منذ بداياته تحرّكت الحصى وتفتتت مداميك الاسمنت تحت تلك العجلة، وبدأت بالدوران ولم تتوقف بعد، ولن تتوقف حتى تمتلئ تلك الصفحات بما يستحق التسجيل والتأريخ، حتى لو كان مكتوباً بدم كثير. والدم المُسال، في أي حال، وكما سبق المقال، ليس إلاّ الحبر الأوّل الذي يُكتب به تاريخ البشر.. والعرب منهم وأوّلهم.

ليس ما يجري أمامنا من ليبيا إلى سوريا بهذا المعنى، سياقاً استثنائياً غير مألوف في دنيانا فقط، إنّما هو (أكثر من مصر وتونس وحتى اليمن) ترجمة مثلى لمعنى التطوّر الإنساني في العقدين الماضيين، حيث قفزت العلوم خطوات جبّارة إلى الأمام وما عاد ممكناً البقاء إزاءها في الخلف. تكثّفت في سنوات قليلة إنجازات تكنولوجيا الاتصال والتواصل، وتلك أحضرت معها شرطها الأوّل، أي حرّية التعامل بأدواتها وصناعتها، وهذه أضاءت العقول على كل مُعطى آخر كان رابضاً في دائرة العتمة، في علم السياسة والاجتماع وشكل النظم، قبل علم الاقتصاد. فذاك الأخير ممكن حتى في عوالم مقفلة، وبين أنظمة متنافرة ومتضادّة، وهكذا كان منذ بداية الزمان إلى الآن!

أكثر من مرّة تمّت الإضاءة على ذلك المُعطى التقني وتأثيره الأخّاذ على مسار أمور الدول والمجتمعات الحديثة.. هو واكب في العوالم الأخرى، شرقاً وغرباً، من اليابان إلى آلاسكا، التطوّر الطبيعي للأنظمة القائمة، ولكنه توقف عند باب العرب وأخذ يدقّ عليه على مدى سنوات، إلى أن فتحته تلك الأيادي العارية في شوارع المدن العربية وساحاتها، ولن تقفله إلاّ على عالم آخر يوازي عوالم الزمان القائم، وتلك عنوانها الوحيد: الحرّية أوّلاً وأساساً. والباقي بطاطا! والسلام.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل