#adsense

لو‮ ‬يقتدي‮ ‬مفتي‮ ‬الجمهوريّة بغبطة الكاردينال صفير

حجم الخط

عندما تَعِبَ غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير من ثِقَل السنين ومن همَّ لبنان واللبنانيين الذي يَكبر ويتعاظم مع الأيام، اختار الراحة وقصد الكرسي الرسولي طالباً إتاحة بقيّة عمره للراحة والخلوة والقراءة ومتابعة الشأن اللبناني من بعيد، فتحلّى بجرأة نادرة لا يملكها إلا من ملكوا شهوات أنفسهم لا ملكَتْهم شهوات النفس والدنيا…

ثمّة استياء ليس مستوراً ولا هو بين جدرانٍ أربعة وشكوى عمرها سنوات طويلة من ضعف أصاب مقام الإفتاء في الجمهوريّة اللبنانيّة منذ أصيبت باستشهاد المفتي الراحل الدكتور حسن خالد في 16 أيار 1989، والذين اغتالوا المفتي الشهيد اغتالوا قبله المرشح الأوّل والأوفر حظاً والأكثر شعبيّة عند المسلمين والمسيحيين ـ رحمات الله عليه ـ الشيخ الشهيد الدكتور صبحي الصالح، الذي لم يجد علينا الزمان اللبناني بعالم متنوّر مثله، رغم أنّ الطامعين والمتطاولين على ادّعاء العلم وأنهم علماء، ولكن هيهات!!

في ثمانينات القرن الماضي، كنت من بين مجموعة من مذيعي صوت الوطن الذين تسنّى لهم إجراء أكثر من لقاء مع الدكتور محمد رشيد قباني، وكنت والزميل منير جمال، منذ الذين ينقصّون أخبار مجلسه العلمي، كان رجلاً شديد نقاء السريرة، غزير العلم والمعرفة، ولكن تغيّر الحال ربّما؛ منذ كشف الله في رؤية للمفتي قباني في رؤية حادث مقتل الشهيد الشيخ حسن خالد، فروى أنه في تلك الليلة رآه جالساً وفي يده كسرة خبز يابس فنظر إليه وقال: «قتلوني يا محمد»، وهكذا كان، فلعلّ القتل غيّر الرجل باعتبار المثل القائل: «ما متت ما شفت مين مات»!!

ولا ينتقص كلامنا من مقام دار الفتوى، لأنها صرحنا، ودارنا وحصن الطائفة السُنيّة في لبنان، ولم يتقلّد زمامها إلا رجال حفظوا لها مقامها ومكانتها، حتى لا تنتهكها الألسن بالشبهات، ولأنّ حالها لم يعد يسرّ الحبيب فكيف بالعدو، بعد كلّ ما نال من هيبتها، منذ منعت الطائفة السُنيّة من انتخاب مفتٍ للجمهوريّة واكتفيَ بتعيين قائم مقامه، فأضحى جلّ همّه أن يصبح مفتياً بالأصالة، فلم يفته تصريح إلا وبدأ وختمه بشكر وذكر الشقيقة، وذات مرّة نسي في مطار بيروت وهو يدلي بتصريحه ذكر الشقيقة فاستدرك منادياً طالباً فتح التسجيل ليشكر الشقيقة!!

وازداد وهن دار الإفتاء؛ مع عجز القائم مقام على الوقوف في وجه الذين احتلّوا مساجد بيروت بالقوة والسكاكين وكادوا يحتلّون جزءاً من دار الفتوى، وترك داخلها نهباً لطرفين يديران صراعاً مريراً فيها، فاخترقتها الأحزاب الدينية تحت مسمى جمعيات، من يصدّق أن إحدى جمعيات بيروت اخترقت هذه الدار من «سنترالها الهاتفي المركزي» بإيعاز من الشقيقة أو من الداخل اللبناني، إلا أنّ حال الدار بات محزناً في حقبة التسعينات بشكلٍ مروّع، هذا عدا عن «دكاكين» خطباء صنعوا لأنفسهم منابر بالإكراه، أحدهم كان يخطب في أحد مصليات طريق الجديدة «منتضياً سيفاً»، هذا من دون فتح ملفات السخرية الدائمة من «البلاي ستايشن» التي اتخذت ذريعة لمهاجمة دار الإفتاء من بوابة عائلة الرجل التي ضعف أمامها دائماً ، إلى أن بلغ الأمر حد تشكيل لجنة للتحقيق في «نهب» أموال الدار ومؤسساتها وما ألحقه ابن المفتي بوالده من شبهات بدءاً من شارع مونو انتهاءً بالصفقات المريبة!!

لم يعد المسلمون يقبلون بهذا الحال مع رواج حديث جديد عن صفقة مليونيّة جديدة بين ابن المفتي ومرجعية حكومية، عرفت نقطة ضعف سيّد الدار، وللمفارقة، أن هذه الدار التي لم ينجح أحد في إغلاقها ولا ثنيها عن مواقفها المعتدلة أغلقت في زمن محمد رشيد قباني وقبع الرجل في منزله خوفاً من جماعة 7 أيار!!

حان الوقت حرصاً على مقام دار الإفتاء، ومقام مفتي الجمهوريّة، أن نطالب صاحب السماحة باتخاذ قرار جريء، يُغلّب فيه مصالح دار الفتوى ومسلمي لبنان، وأبناء الطائفة السُنيّة على رغباته ورغبات عائلته من قرينته إلى ولده، فيتنحّى عملاً بقول رسول الله صلوات الله عليه: «اجتنبوا الشُبهات»، وما أكثر ما أحاط بهذه الدار منذ سنوات والمسلمون يعضّون على الموقف، على اعتبار أن طوائف أخرى تجعل من اللصّ قديساً ومفتياً أحياناً، ولكن الصدق ومصارحة الذات منجاة، فإذا كان الله سبحانه ابتلى صاحب السماحة وامتحنه بما أخبرنا به القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 15]، فالطائفة السنيّة أولى بأن يكبرها ويجلها عن بلائه الشخصيّ… بثنا مرّة صادقٌ لا يخشى في الله لومة لائم لوعة أحد اجتماعات مجلس المفتين مع صاحب السماحة الذي خرج عليهم بفكرة أنّ سيارة مفتي الجمهورية وحدها هي التي يجب أن تحمل لوحة «دار الفتوى»، وأنه راغب في أن تحمل سيارات سماحة مفتيي المناطق لوحة يكتب عليها كلمة «الافتاء»، فما كان من الراحل المفتي محمد سليم جلال الدين إلا أن خاطبه: «سماحتك في صيدا سيقرأونها «الفتاق» بدلاً من الإفتاء»…

صاحب السماحة، من أجل دار الفتوى، ومن أجل منصب ودور مقام مفتي الجمهوريّة اللبنانية، ومن أجل الطائفة السُنيّة، ولأن من صَدَقَك خير عند الله ممّن صدّقك، ولأننا وضعنا بين يديك القليل من الذي يقال فكيف بكثيره، أطالبك بأن تتخذ قراراً تاريخياً وتتنحّى عن منصب مفتي الجمهوريّة درءاً للشبهات وحرصاً على مقام دار الفتوى وعلمائها الأجلاء، وشهدائها أيضاً.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل