#dfp #adsense

الشعب يقذف معمر القذافي، ماذا بعد؟ –

حجم الخط

عام 1969 وقبل انقلاب الاول من أيلول من ذلك العام واطاحة حكم آل السنوسي وتسلق ضابط صغير اسمه معمر القذافي السلطة، كان الحكم الليبي قد طالب شركة "آسو" الاميركية بتعديل سعر برميل النفط الليبي برفعه لسببين:

اولا: ان نوعية النفط الليبي هي من الافضل من حيث المواصفات. فانتاج المشتقات الخفيفة – أي الاعلى ثمناً – من النفط الليبي الخفيف والخالي تقريباً من الكبريت يؤدي الى توافر نسب أعلى من البنزين، وكاز الطيران، والمازوت الخفيف من النفط الخام المكرر.

ثانيا: ان ليبيا تقع على مقربة من الاسواق الاوروبية وتالياً ان عملية الشحن للنفط من ليبيا الى جنوب ايطاليا، أو الى أبعد موقع في غرب المتوسط تستغرق ما بين يوم الى ايطاليا واربعة ايام الى اسبانيا. وعام 1969 كانت قناة السويس مقفلة نتيجة حرب الـ67 التي نتجت منها أكبر خسارة للاراضي العربية لمصلحة اسرائيل واقفال قناة السويس، فصارت عملية نقل النفط من الخليج الى أوروبا تستوجب فترات طويلة لان الرحلة تفرض التوجه نحو رأس الرجاء الصالح في اقصى جنوب افريقيا ومن ثم الابحار غرب القارة الافريقية واخيراً العبور الى المتوسط من مضيق جبل طارق.

استناداً الى الميزتين، الموقع والنوعية، اقرت شركة "آسو" رفع سعر برميل النفط الليبي بما يساوي 22 سنتا للبرميل اي بنسبة 10 في المئة، وكانت ليبيا االدولة النفطية الاولى تطالب بتعديل شروط المشاركة مع الشركات الاجنبية بالنسبة الى الاسعار، وهذا الامر توسع في ما بعد وخصوصاً بعد حرب 1973 وارتفاع اسعار النفط من 2,2 دولارين للبرميل الى 11,8 دولاراً لبرميل النفط الليبي.

معمر القذافي ورفاقه تسلموا الحكم من دون مقاومة من عائلة ساهمت في تحقيق استقلال ليبيا وثابرت على تأمين التعليم لليبيين وارسالهم لاكتساب المعارف في الخارج، ومن هؤلاء معمر القذافي الذي ارسل الى بريطانيا لدورة تدريب عسكري.

الملك ادريس السنوسي غادر ليبيا الى مصر من غير ان يتسبب باراقة الدماء، ومن مصر ارسل، دونما طلب من الضباط الذين قبضوا على الحكم، سيارتين اعتبر ان ملكيتهما هي للدولة وليست له. هكذا كانت نفسية العاهل الليبي ومقارنتها بنفسية معمر القذافي وتصرفه، سواء في هدر الدماء أو التسلط على الموارد المالية توفر صورة المأساة المستمرة التي طوقت حياة الليبيين مدى 42 سنة.

بعد ثورة الاول من ايلول 1969 وبسرعة قام القذافي بزيارة لمصر وكان في السابعة والعشرين من العمر، وعرض على جمال عبد الناصر تحقيق وحدة البلدين المتجاورين. فحدود مصر الغربية هي حدود ليبيا الشرقية، والعلمين التي شهدت انتصار مونتغومري على رومل، ابدع القادة العسكريين الالمان والذي خسر المعركة نتيجة نفاد وقود دباباته وطائراته، بينما اختزن مونتغومري في مصر كميات هائلة من الوقود والدبابات والطائرات استعداداً للمعركة.

رفض عبد الناصر عرض القذافي لانه كان يعاني دروس الانفصال بين سوريا ومصر اللتين أعلنتا وحدتهما في شباط 1958 وتفككت في ايلول 1961، كما كان يعاني نتائج هزيمة 1967 وخسارة العرب في الضفة الغربية، والقدس، والجولان، وسيناء اكبر مساحات استراتيجية لمصلحة اسرائيل، ناهيك باقفال قناة السويس واقامة اسرائيل تحصينات على طول الجانب الشرقي للقناة.

كان عبد الناصر منهكا بالهموم ونتائج الهزائم وكان يعد لحرب الاستنزاف مع اسرائيل بالتراشق المدفعي عبر القناة، وتشجيع شن فدائيين مصريين غارات على مواقع اسرائيلية في سيناء.
السيناريو ذاته قدمه القذافي الى انور السادات وخصوصا بعد حرب 1973 ونجاح الجيش المصري في عبور القناة وتكبيد اسرائيل خسائر ملحوظة. لكن السادات، كما عبر في مذكراته، كان يرى ان القذافي غير ناضج، متسرع واحمق، وتالياً غلف رفضه لاقتراح الوحدة، باقتراحات للتعاون على نطاق واسع. وبالفعل أمن السادات للمصريين دوراً واسعاً في توفير العمالة الفنية والزراعية لليبيا، كما ساهم الخبراء المصريون في شؤون النفط في مساعدة الليبيين في هذا المجال.

وتخلى القذافي تدريجاً عن رفاقه وركز السلطة في يديه، معلنا ان ليبيا يحكمها الشعب مباشرة، فهي جمهورية شعبية وهو قائد وليس رئيساً. ومن بعد اراد تعميم صورته قائداً لتحرير افريقياً واخذ يعتمد على الموارد المالية المتزايدة من النفط من انتاج على مستوى مليوني برميل يوميا صار سعر البرميل منها يزيد على 12 دولاراً عام 1973 وعلى 40 دولاراً عام 1978، كما انجز خطاً لنقل الغاز الليبي الى اسبانيا بطاقة مئة مليون قدم مكعب يوميا، اي ما يوازي صادرات 18 الف برميل من النفط يوميا.

ومنذ بداية 1975 باشر القذافي تدخله مع الثوار والثورات. فناصر الفلسطينيين في لبنان كما بعض الافرقاء اللبنانيين، وناصر الجيش الجمهوري الايرلندي، ومن ثم استوعب "ابو نضال" فترة وثمة شبهات ان "ابو نضال" ساهم في اغتيال الامام موسى الصدر ورفيقيه عام 1978 حين زار الامام ليبيا بدعوة من القذافي وتحاور معه. ومنذ سنوات عدة وفي صفحاتها التي تشمل استقصاءات موسعة، نشرت جريدة "الصنداي تايمس" اللندنية ان الامام الصدر اغتيل في ليبيا في ملعب كرة القدم بأوامر من معمر القذافي.

ولبنان الذي خسر خسارة كبيرة نتيجة اختفاء الامام الصدر ورفيقيه، اتخذ مواقف شذب سياسي من ليبيا كان على حق في اتخاذها، لكن الامر الغريب التأخير في الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي الليبي ممثلا شرعيا لليبيا بعد نشوب ثورة اهلها في شباط المنصرم، فالحكومة اللبنانية أعلنت اعترافها بالمجلس الوطني الانتقالي بعد اعتراف فرنسا، وبريطانيا، وايطاليا، وتركيا، وقطر، والكويت، وحتى الصين.

الاعتراف اللبناني بالمجلس الوطني الانتقالي خطوة في الاتجاه الصحيح يجب ان نعززها بخطوات اخرى تساهم في توسيع التعامل الاقتصادي بين البلدين. فليبيا ما بعد القذافي تحتاج الى اعمال المقاولات والخدمات وتطوير السياحة والزراعة. وللاشارة فقط نذكر ان آل غرغور كان لهم حضور في ليبيا منذ اواخر الخمسينات وانجزوا اعمالا مهمة في مجال توفير المنازل والمناطق الآهلة لموظفي الشركات النفطية، كما اهتموا بالشأن الزراعي، خصوصا ان ليبيا كانت بلداً غنياً بأشجار الزيتون.

وشركة "كات" للمقاولات كانت من اولى الشركات التي انجزت اعمالا انشائية وتجهيزية في ليبيا. فقد انجزت شبكات المجاري والصرف الصحي في طرابلس. وشركة أبيلا ساهمت طوال سنوات في تأمين الوجبات الغذائية لموظفي الشركات النفطية كما لبعض المؤسسات الحكومية.

اليوم وخصوصا بعد استقرار الحكم الجديد في ليبيا، سوف تكون حاجات ليبيا لاعادة الاعمار ضخمة، وسوف تحتاج الى الطاقات في كل المجالات. ولدى ليبيا موارد مالية حرة أي غير مستثمرة في اسهم وشركات – تزيد على 120 مليار دولار، كما ان استثمارات ليبيا في اسهم مصارف ايطالية، وشركات صناعية، وشركة لتوزيع المحروقات، وشركات اعلامية، مثل مجموعة بيرسون البريطانية التي تصدر جريدة "الفايننشال تايمس"، ربما تزيد المبالغ النقدية الى ما يوازي 140 – 150 مليار دولار من الموجودات.

تنشيط ليبيا اقتصاديا وثقافيا وسياحيا وتأمين مقدار أوسع من المنافع الطبية والاسكانية والتعليمية لجميع الليبيين أمر ممكن، لان العدد الاجمالي للمواطنين لا يزيد تقديره، على خمسة ملايين نسمة، في حين ان مساحات البلد شاسعة وليبيا تحوز من الشواطئ الرملية على المتوسط ما لا يتوافر لغيرها من البلدان، لكن القذافي ابقى ليبيا وطاقات اهلها في القمقم.

المجال انفتح للتطوير في ليبيا وسوف نشهد:
– تدفقاً كبيراً للعمال والفنيين المصريين الذين كان يبلغ عددهم قبل تفجر الاوضاع 1,5 مليون موظف وعامل.
– استعادة نشاط الشركات التركية في مجال الانشاءات. وللاتراك ستة مليارات دولار مستحقة على الحكومة الليبية عن اعمال انجزت.

– الايطاليون كانوا يعملون على نطاق واسع في مجال التجهيزات لصناعة النفط، والمقاولات، ولديهم اعمال منجزة استحقت عنها اربعة مليارات دولار.
– الروس طبعا لديهم مستحقات عن اسلحة توافرت من صناعاتهم لليبيا وبعض التجهيزات غير العسكرية.

ويبقى ان المجال مفتوح للبنانيين ليساهموا من جديد في بناء ليبيا الحديثة، ويمكن ان يساهموا على نطاق واسع في مجالات التربية والتعليم، الاتصالات، السياحة، الانشاء، تسويق المشتقات، ادارة المطارات وربما المرافئ، وللبنانيين في كل هذه النشاطات شركات ناجحة في نطاق اقليمي ودولي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل