كتب عباس صالح فب صحيفة "النهار": أعاد الرأي القانوني الذي أدلت به المحامية ندى عبد الساتر ابو سمرا "عن امكان حتمية تعرض الحكومة السورية لعقوبات أممية تحت الفصل السابع، ومعاقبتها بجرم عرقلة سير العدالة من المحكمة الخاصة بلبنان، تسليط الاضواء على قضية مذكرات التوقيف السورية في حق مسؤولين لبنانيين، وبينهم قضاة ومديرون عامون وكبار الضباط الامنيين، وحظي باهتمام عدد من كبار رجال القانون والاكاديميين والمهتمين والمتابعين، فضلا عن المعنيين مباشرة من المدعوين للمثول امام القضاء السوري من اجل النظر في الدعوى التي كان تقدم بها المدير العام السابق للامن العام اللواء جميل السيد.
وعبد الساتر ابو سمرا، محامية دولية في لبنان ونيويورك ولاهاي وأستاذة محاضرة في الجامعة الاميركية في بيروت، كشفت لـ"النهار" ان مطالعتها القانونية تتضمن عناصر جديدة تنسف كل الأُسس التي تقوم عليها مذكرات التوقيف السورية، وتعرض الحكومة السورية للمساءلة القانونية حيالها، كما تسلط الضوء على المسؤولية الفردية لأي شخص رسمي أو خاص قد يجرّم بارتكاب جرم عرقلة سير العدالة".
وقالت عن المستند القانوني الذي اسندت اليه دراستها القانونية: "أدانت المادة 60 مكرر من قواعد الاجراءات لدى المحكمة الخاصة بلبنان بجرم "التحقير" أو "عرقلة سير العدالة" كلّ من يعرقل عن علم وقصد سير العدالة من دون حصر هذا الجرم بأفعال محدّدة ، بل أن المادة 60 نصّت في شكل صريح وعام وشامل على مبدأ تجريم مرتكبي الأفعال التي تعرقل سير العدالة. فيُعاقب مرتكبها أياً يكن وتصل العقوبة الى سبع سنوات حبسا وغرامة مئة ألف اورو".
واللافت أن المادة 60 مكرر في معرض تعريفها العام لجرم "التحقير"، وقبل أن تعطي أمثلة عنه، أكّدت امكان ادانة "كل من" وليس كل "فرد" ولا "أي شخص " يعرقل حسن سير العدالة. وفي الانكليزية أتت عبارة "those who" الفرنسية "quiconque" أي أن المادة 60 مكرر تدين "كل من" يثبت أنه عرقل سير العدالة، أكان لبنانيا ام غير لبناني خاصا أو لديه صفة عامة ، وبصرف النظر عما اذا كان الفعل المعرقل له طابع خاص او طابع رسمي.
* وكيف خلصت الى ان نص المادة 60 مكرر تنطبق على حالة مذكرات التوقيف السورية؟
– الأمثلة التي وردت في المادة 60 مكرر على جرم عرقلة سير العدالة تتضمن في البند 5 منها ادانة أيّ شخص يضغط على شاهد محتمل في أيّ شكل، أو يهدّد شاهداً محتملاً في إجراءات أمام قاضي الإجراءات التمهيدية أو الغرفة أو يخيفه أو يؤذيه أو يعرض عليه رشوة.
وفي حال اعتبرت المحكمة أن مذكرات التوقيف السورية ترمي الى معاقبة الأشخاص الذين عاونوا التحقيق بسبب معاونتهم المحكمة والتحقيق، أو الى التهويل عليهم أو ثنيهم عن الاستمرار في معاونة المحكمة والإدلاء بشهادتهم أمامها، قد تعتبر المحكمة أن مذكرات التوقيف السورية تشكل جرم عرقلة لسير العدالة الأمر المعاقب عليه بجرم التحقير.
وفي شكل عام إنّ الضغط على أشخاص عاونوا ويعاونون المحكمة، ومن المحتمل أن يدلوا بشهادتهم أمامها بهدف معاقبتهم أو ثنيهم أو ثني غيرهم عن التعاون مع المحكمة قد يعتبر عرقلةً لسير عدالة هذه المحكمة، ويمكن أن تطبّق في شأنها أحكام المادة 60.
* ومن هي الجهة المخولة إثارة مثل هذه المراجعات امام المحكمة الدولية، وفي وجه من يجب ان تقدم؟
– "في امكان المدعي العام إثارة المسألة أمام قاضي الإجراءات التمهيدية أو الغرفة كما يمكن أي شخص معني اعلام قاضي الإجراءات التمهيدية أو الغرفة بالوقائع المتعلقة بجرم "التحقير". وإذا اعتبر قاضي الإجراءات التمهيدية بعد اجراء التحقيق أن ثمة أسباباً كافية لإقامة دعوى ضد شخص بتهمة "تحقير المحكمة"يجوز تكليف المدعي العام بمباشرة إجراءات الملاحقة أو إصدار أمر يحلّ محل قرار الاتهام .
من جهة اخرى، وبالاستناد إلى الفقرة (ز) من المادة 60 مكرر، يجوز إصدار مذكرة توقيف دوليّة في حقّ المتهم أو المتهمين بجرم "التحقير" وترفع إلى كلّ الدول من خلال أيّ هيئة دوليّة مختصّة، بما في ذلك منظمة "الانتربول" أو مكتب "يوروبول" تطبيقاً للمادة 84 من قواعد الإجراءات والإثبات.
* وهل من مسؤولية مباشرة على الدولة السورية في اصدار مذكرات التوقيف، وبالتالي هل تعتبرين ان هذه المذكرات مخالفة للاتفاق القضائي بين البلدين، ومخالف لاتفاق الرياض العربي للتعاون القضائي (1983) ولقواعد الانتربول؟
– "بالفعل، هذه المذكرات تطرح اشكالية قانونية حول تناولها مسألة ذات طابع سياسي، وبالتالي مخالفتها الاتفاقات المذكورة والقانون الأساسي لمنظمة الانتربول التي تحظّر على المنظمة حظراً باتاً أن تنشط أو تتدخل في مسائل أو "شؤون ذات طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عنصري". وقرأنا عن ردّ الطلب المقدم من القضاء السوري لتعميم مذكرات التوقيف الغيابية عبر الـ "انتربول". لكن الاشد خطورة ان هذه المذكرات تشكل اعتداء على سيادة لبنان من منظار القانون الدولي، وهذا موضوع يجب معالجته بين الحكومتين اللبنانية والسورية، فأي انتهاك لسيادة لبنان يشكل مخالفة لقرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع والملزمة للدولة السورية، مما قد يعرضها لعقوبات.
ان مذكرات التوقيف السورية تتناول جرما يزعم أنه حصل في الاجراءات القضائية اللبنانية. فهي تتناول ادعاء حصول "شهادة زور" أو "تحريض" وأفعال أخرى في سياق التحقيق القضائي اللبناني. أي أن القضاء السوري يحقق في ما اذا كانت اجراءات التحقيق اللبناني جرت بطريقة سليمة أم لا. وبالتالي يقوم القضاء السوري بالحكم على حسن سير، أو سوء سير القضاء اللبناني ومن ثم يعاقب القاضي السوري من يرى معاقبتهم على ذلك بمن فيهم القضاة اللبنانيون وأفراد الضابطة العدلية اللبنانية!
* وأين هي المخالفة القانونية في هذه النقطة تحديدا؟
– لمجرّد أن يسمح القضاء السوري لنفسه بالتدخل في تحقيق قضائي لبناني جارٍ على الأراضي اللبنانية ومن قبل القضاء والضابطة العدلية اللبنانية، نكون امام فعل يشكل في ذاته انتهاكاً لسيادة لبنان واعتداء على أحد مرافقه العامة السيادية أي القضاء اللبناني.
وما يزيد فداحة الأمر، أن الملاحقة القضائية السورية تتناول القضاة اللبنانيين في ذاتهم وأفراد الضابطة العدلية اللبنانية بالذات وتطلب توقيفهم وسجنهم في سجون سوريا. أي أن القضاء السوري يلاحق قضاة وضباطا لبنانيين على أفعال قاموا بها خلال تنفيذهم مهماتهم الرسمية في لبنان. ويبدو أن بعض هذه المذكرات صادر صراحة بتهمة "الاخلال بموجبات الوظيفة". وهذا ما يشكّل تدخلاً مباشراً في حسن سير مرفق عام سيادي لبناني، وانتهاكاً صارخا لسيادة لبنان.
* وهل ان اعتداء اي دولة على سيادة دولة اخرى يستتبع حكما عملا تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة؟
– كل دولة ملزمة احترام سيادة الدول الأخرى، وهذا من ركائز القانون الدولي. اما في ما خصّ علاقة الدولة السورية بالدولة اللبنانية بالتحديد، فهناك القرار رقم 1636 الصادر عن مجلس الأمن سنة 2005 بموجب الفصل السابع، والذي يصر في البند 12منه على أن "تتوقّف سوريا عن التدخّل في الشؤون الداخلية للبنان، سواء في صورة مباشرة أو غير مباشرة، وأن تمتنع عن أيّ محاولة ترمي إلى زعزعة استقرار لبنان، وأن تتقيّد بدقّة باحترام سيادة هذا البلد وسلامته الاقليمية ووحدته واستقلاله السياسي". ان مخالفة هذا القرار يعرّض سوريا للمسؤولية والمساءلة امام مجلس الأمن لكونه قرارا صادرا بموجب الفصل السابع.