#dfp #adsense

هل يحتجب “نداء ايلول” لمجلس المطارنة؟

حجم الخط

قد تكون المرة الاولى منذ عام 2000 لا يترقب فيها المسيحيون وبعض اللبنانيين نداء مجلس المطارنة الموارنة في ايلول من السنة الجارية. اذ ثمة متغيرات طبعت الصرح البطريركي منذ نحو ستة اشهر على انتخاب البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، الذي ما ان ينتهي من جولاته المحلية حتى يبدأ جولاته الخارجية من باريس الى واشنطن. ولعل احد اهم هذه المتغيرات، التي توحي بأن لا نداء يشبه ما تعودناه في الاعوام الفائتة، هو السقف الوطني الذي كانت بكركي تظلل به المواقف مما يجري على الساحة اللبنانية. لا شك في ان الاجتماع الاول للجنة قانون الانتخاب كان اللبنة الاولى المحلية، اذ عقد بدم بارد وخارج اطار الانفعالات وبعيدا من اللغط والترويج الاعلامي. الا ان هذه الخطوة اليتيمة لا يمكن عزلها عن مسار عام يطبع بكركي منذ ستة اشهر. ولا شك ايضا في ان مسار الانتقادات لا ينحصر في دائرة قوى 14 آذار على رغم ما تتلقاه هذه من اتهامات بانها تشن حملة مبيتة على البطريرك الراعي. ولا تخفي دوائر قوى 8 آذار المسيحية بالطبع غبطتها مما يجري حاليا على خط بكركي وتحركها السياسي وابوابها المفتوحة للسفيرين الايراني والسوري. الا ان ثمة مجالا واسعا لمجموعة من العلمانيين والاكليروس من الفريقين تتحفظ عن جملة محطات لا تزال حتى الان موضع مراقبة ومعاينة. وعلى رغم انه من الظلم ان تقارن محطات الراعي المبكرة بمسار الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير طوال فترة حبريته، الا ان الاحداث الاخيرة التي حصلت فرضت متابعة من باب الحرص على دور بكركي وموقعها.

وفي حال تخطت القراءة ما قاله الراعي عن سوريا يوم انتخابه وتأكيده زيارته لها، عشية اندلاع الاحداث فيها، فان الاستحقاق الاهم تمثل في اغفال مقاربة الاحداث العربية المتسارعة من زاوية الصرح البطريركي الذي يمثل الرأي العام المسيحي المشرقي امام العالم الاسلامي الغارق في متغيرات كبرى.

وليس سرا ان النداءات البطريركية مدى احد عشر عاما شكلت في مقاربتها لهذه الملفات متابعة حثيثة لاوضاع الشرق الاوسط. فعلى سبيل المثال لا يمكن تجاهل ما كان يصدر من مواقف بطريركية في شأن الحرب على العراق، او في ما يتعلق باللقاءات الشرق الاوسطية لانجاز عملية السلام. في حين ان بكركي اليوم تعيش في غربة شبه تامة عن الاوضاع العربية وتطوراتها التي تشبه الزلزال الذي يحدث انقلابات تاريخية في منطقتي الشرق الاوسط والادنى. اضف ان الراعي يقوم بزيارتين مهمتين لباريس وواشنطن، اللتين اعتادتا سماع مواقف بكركي الحاسمة حيال استقلال لبنان ووحدته ودعم المحكمة الدولية، وهي التي كانت تتحدث باسم مسيحيي الشرق. فاي خطاب يحمله اليوم سيد بكركي الى العاصمتين اللتين تقاربان التحولات العربية والدولية من غير المنظار الذي يتحدث به الصرح اليوم، خلال حديثه المتكرر عن تظاهرات سورية والاصوات المسيحية التي ترتفع بين حين وآخر مدافعة عن الرئيس السوري بشار الاسد.

اما في الشأن المحلي الداخلي، فقد كان الراعي اول من دافع ودفع في اتجاه تشكيل الحكومة، على رغم انه كان معروفا انها ستكون حكومة من لون واحد. وهو في هذا المنحى سلك سلوكا مغايرا عما اعتادته بكركي في مقاربة الاحداث المحلية، وفي سعيها الدائم الى تحقيق توازن مطلوب وضروري في مرحلة مصيرية.

ثم ان بكركي غابت في شكل مطلق عن محطة جوهرية في مسار لبنان هي صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في حين انها كانت منذ اللحظة الاولى للجريمة وما تلاها من اغتيالات طاولت من بين من طاولتهم ثلاثة اعضاء في "لقاء قرنة شهوان" الذي كانت ترعاه بكركي، تدعم بشدة قيام المحكمة الدولية وتحقيق العدالة وفقا للمعايير الدولية.

ومن العناوين العريضة الى اليوميات التي يسجل فيها لبكركي انسحاب من مقارعة حقيقية لملفات تمس الوجود المسيحي. فبين مشكلة لاسا والتعديات على رجال الدين فيها والاوقاف المسيحية والمشكلة التي وصفها الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله بأنها مشكلة تاريخية وخلاف على اراض، ثمة بون شاسع لا تزال بكركي عاجزة عن تخطيه، مقارنة بين ما حدث في عيون ارغش ولاسا. فحين وقع حادث اطلاق النار في عيون ارغش في نيسان 2010 كان للبطريرك صفير تعليق اثار وقتذاك ضجة لافتة حين قال لوفد من المنطقة: "نعرف انكم دافعتم في الماضي وتدافعون عن حقكم وعن اراضيكم وهذا شيء مشروع لكم(…) علينا جميعا ان يدافع كل منا عن حقه وهذا شيء مشروع". حينها قامت القيامة على صفير وتعرض لحملة مضادة استهدفته كما في كل مرة يتخذ فيها موقفا مناوئا للسلاح الداخلي. لكنه استمر في موقفه الى ان توصل الى وضع خاتمة للحادثة تصب في مصلحة ابناء المنطقة. اما اليوم فثمة انكفاء ومحاولات تسويات على طريقة تبويس اللحى. واذا كان مسموحا لنواب "تكتل التغيير والاصلاح" الحديث في ملف لاسا سياسيا، كما يفعل نواب "القوات اللبنانية"، وكل طرف من زاويته، فان موقف بكركي بات على المحك، بعدما اصبح حديث لاسا محور الصالونات الشعبية في كسروان وجبيل والمتن وبعبدا، ولكل منها مشكلة مع الامتداد الشيعي في مناطقها، ولا سيما بعدما صارت لاسا اكبر من خلاف فردي او تاريخي، فيما بكركي تتعامل معها حتى الساعة، كما تعاملت مع "تظاهرات سورية".

المصدر:
النهار

خبر عاجل