تتكشّف يوما بعد يوم فصول جديدة من الخبث والتقيّة التي تحكم علاقة مكوّنات الأكثريّة الجديدة ببعضها البعض.
فالاتّفاق على إسقاط حكومة الحريري كان مجرّد التقاء ظرفي لم يلبث ان أزاح الستار عن أجندات متناقضة تكاد تفجّر هذه الحكومة قبل ان تنطلق او تحقّق ايّ إنجاز.
ويخطئ مَن يظنّ انّ النائب وليد جنبلاط هو الذي "فركش" مشروع الكهرباء العونيّ، فالأصحّ انّ جنبلاط قاد سيارة التعطيل في وقت كان يجلس الى جانبه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فيما تربّع كلّ من رئيس الجمهورية ورئيس المجلس على المقاعد الخلفيّة خشية ان يقعا في خانة التلبّس امام حزب الله الذي وجد انّه غير قادر على ممارسة الضغوط في ظلّ واقع هشّ فرضه الاتّهام الدولي باغتيال الحريري.
وأمام هذا الواقع قرأ جنبلاط بحكم استطلاع ميزان القوى إمكانية لعرقلة مشروع عون، ونفّذ بثقة بالنفس وصلت الى حدّ الإعلان عن عدم الاكتراث اذا ما ادّى ذلك الى استقالة الحكومة، ربّما لعلمه انّ حزب الله يتجنّب الوصول الى استعمال خيارات تلّة الـ888 قدر الإمكان، وبذلك بدا جنبلاط وكأنّه يقول لحلفائه الظرفيّين: "ندرك انّ عمر هذه الحكومة قصير، ونرفض في هذه العجالة ان نمرّر لحليفكم عون ما سيمكّنه من ان يتحوّل الى مارد انتخابيّ في العام 2013".
وإذا كانت أزمة مشروع الكهرباء هي الأزمة الاولى التي واجهت عمل الحكومة بفعل تناقض أجندات مكوّناتها، فإنّ الكثير من الأزمات تنتظر هذه الحكومة في الوقت المتبقّي لها والمرتبط بمصير النظام السوري.
ولعلّها ليست مفارقة كبيرة ان يكون العماد ميشال عون القاسم المشترك الوحيد في ازمة الحكومة الحاليّة وأزماتها الآتية على الطريق السريع.
فعون يريد من هذه الحكومة ان تكون مَنفَذَهُ الى الإدارة والحصص والمشاريع، يريد ان ينال الحصة المسيحيّة في كلّ التعيينات الامنية والإدارية، وهو لهذه الغاية أعدّ دراسة شاملة عن المواقع الشاغرة في الإدارة، وخطّته تقتضي المطالبة بكلّ هذه المواقع، تحت طائلة تبدأ من تعطيل التعيينات وتنتهي بالتهديد بالاستقالة إذا سمح له حزب الله، أو إذا اقتضت مصلحة حزب الله تحويل هذه الحكومة الى حكومة تصريف أعمال.
ويخطئ ايضا مَن يظنّ انّ عون لن يصطدم فقط بجنبلاط وميقاتي وسليمان في الصراع على الحصص والتعيينات، فحزب الله اضطرّ في الايّام الماضية الى لجم طموح عون لنيل موقع مديريّة جهاز امن المطار. فقد أشارت مصادر مطّلعة، الى انّ الحزب أخلّ بوعده للعماد عون بإسناد موقع مديرية جهاز أمن المطار الى احدّ المقرّبين منه.
وكشفت المصادر انّ وزير الداخلية مروان شربل سبق له ان وقّع مرسوما بتعيين العميد في الجيش اللبناني غسّان سالم (ارثوذكسي) رئيسا لجهاز امن المطار، ولم يبقَ إلّا توقيع وزير الدفاع فايز غصن كون سالم ضابطا في الجيش اللبناني.
وفور اطّلاع حزب الله على هذا الموضوع طلب من النائب سليمان فرنجيّة عدم تمريره وتمسّك بموقع مديرية جهاز امن المطار للطائفة الشيعيّة، فما كان من فرنجيّة إلّا ان طلب من غصن عدم توقيع المرسوم ووضعه في الأدراج.
وتساءلت المصادر حول ردّة فعل العماد عون على هذه القضيّة، لا سيّما بعد ان منيت خطته لتطوير مشروع الكهرباء بنكسة واضحة، وأشارت الى انّ عون يتمسّك بإسناد موقع مديرية جهاز أمن المطار الى مسيحيّ، ولكنه لم يثِر الموضوع لأنّه لا يريد فتح جبهتين في آن واحد.
وفي مسلسل الصراع على التعيينات ايضا عطّل العماد عون مرسوما أعدّه وزير الداخلية مروان شربل بتثبيت الضبّاط المكلّفين شغل منصب أعضاء مجلس قيادة قوى الأمن الداخلي بالوكالة، وذلك لأنه يريد ان يسمّي الأعضاء المسيحيّين في المجلس، وأدّى رفض عون الى طيّ المرسوم وسيؤدّي الى بقاء القديم على قدمه حتى إشعار آخر.