منذ صدور القرار الاتّهامي في قضيّة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري ولغاية ربيع العام المقبل موعد بدء المحاكمة في قضية الاغتيال، ومسلسل المؤتمرات الصحافيّة "الحزب الهية" المتفرّقة، إلى جانب المواقف السياسية بغية ضرب صدقية المحكمة لم يتوقف.
فهذا الأسبوع، على سبيل المثال، كان حافلا على هذا المستوى، إذ شاهد اللبنانيون ثلاث إطلالات متتالية لقياديين من حزب الله، بدءا من النائب محمد رعد ومحامي "حزب الله" سليم جريصاتي مرورا بالنائب حسن فضل الله، وصولا إلى السيّد حسن نصرالله أمس. الخطاب واحد والغاية عينها: "حزب الله" يريد ضرب صدقية المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. ولكن أين الحكومة وما هو دورها في هذا الإطار، ولا سيّما أنّ الحزب يشكّل أحد أبرز مكوّناتها؟ وكيف تفسّر هذه الحكومة هذا التناقض بين تأكيد التزامها بالاتّفاقية الموقّعة مع المحكمة الدولية، وفي صفوفها من يعمل على ضرب صدقيّة تلك المحكمة؟.
"التايم" وصدقيّة الحكومة
يوم رفعت حكومة الـ "كلّنا للوطن" تقريرها إلى المحكمة الدولية حول عجزها عن إيجاد أيّ من المتّهمين الأربعة في انفجار الرابع عشر من شباط 2005 (والمطلوبين بمذكّرات توقيف دوليّة)، تمكّنت وفق آراء قانونيّة مختلفة من الهروب من ذلك المأزق، ولا سيّما أنّ تقريرها راعى الأصول المرعيّة الإجراء بارتكازه على قواعد قانونيّة. إلّا أنّ مقابلة "الـتايم" خلخلت ثقة المحكمة بتقرير الحكومة العاجزة عن إيجاد أربعة متهمين. فباتت المحكمة أمام واقع جديد يقول بوجود أحد المتّهمين (على الأقلّ) على الأراضي اللبنانية، ما يعني أنّ الأمل في إيجاده (أو إيجادهم) لم ينقطع، وبالتالي لا إمكانيّة لمحاكمات غيابيّة، ما قد يتيح الإيعاز من جديد للحكومة بتفعيل البحث عن المتّهمين الأربعة. بحث لن يأتي بنتيجة "ولو بعد 300 سنة" على حدّ تعبير السيّد نصرالله. إلّا أنّ تلك الـ 300 سنة التي حدّدها السيّد لن تمنع الحزب القائل بـ"إسرائيليّة" المحكمة من اعتماد هكذا "تكتيك" (كالذي اعتمده في مقابلة التايم) بغية منع إجراء محاكمة غيابيّة طالما إنّ "الفترة الزمنيّة الطويلة" تمنع إجراء محاكمات علنيّة. وقد لا يكون مفاجئا نشر مقابلة مماثلة في وقت قريب أو بعيد، وذلك وفقاً لأجندة حزبيّة وضعت لضرب المحكمة.
مؤتمر مع show
وعمد الحزب إلى أسلوب
الـ "animation" والـ "projection" في عملية مقاربة موضوع الاتّصالات أو فرضيّة اتّهام إسرائيل. ومن لا يذكر مشاهد العاصمة بيروت المأخوذة من طائرة استطلاع حربيّة تشير إلى محيط السان جورج ليتبيّن في وقت لاحق أنّ الصور مأخوذة قبل العام 1997. وفي المؤتمر الأخير الذي عقده النائب فضل الله عمد الحزب الى شرح مسألة الاتّصالات متّكئا على الطريقة عينها في الشرح.
وكان الحزب أوّل من عمد إلى إدخال الصورة والـ"graphics" إلى مؤتمراته الصحافيّة ظنّاً منه أنّ في الأمر إضافة ما من شأنها تقوية حجّة الإقناع والمنطق. إلّا أنّ المطّلعين على قوانين المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان يدركون أنّ الأمر لا يعدو أكثر من ترفيه يخفّف من الضجر القاتل الذي تسبّبه هكذا مؤتمرات، ولا سيّما إن تضمّنت مطالعات قانونيّة ودستوريّة. كما أنّ المطّلعين والمتابعين يدركون جيّداً أنّ التعاطي مع المحكمة الدوليّة عبر الإعلام لا يُغيّر شيئا من الواقع… ولكنّ الحزب (ومعه الحلفاء) استطاع من خلال هذا الـ"show" المعتمد، خلق بيئة شعبية وسياسية محلّية باتت مقتنعة برأي الحزب حيال المحكمة. بيئة قد لا تخلو ساحاتها من تداعيات المفاجآت المنتظرة. مفاجآت قد توصل إلى إدانة قبل لفظ الحكم.
اليوم، يرى البعض أنّ الحزب بات في "بوز المدفع"،ولا سيّما أنّ "سوريا الأسد" تعيش مع أزمتها المتصاعدة ولا يمكنها إرشاده في كيفيّة التعاطي مع المرحلة الراهنة على غرار تعاطيها البارع عقب عمليّة الاغتيال (14 شباط 2005)… فهل يستمرّ الحزب في محاربة المحكمة إعلاميّا من دون تسجيل أيّ نتيجة تذكَر؟ أم إنّه سيعمد في مرحلة مقبلة إلى بلورة نظرته فيعتبرها، على سبيل المثال، لواءً إسرائيليّا إداريّا ويتصرّف على هذا الأساس؟…