#dfp #adsense

أبواق الطغاة ومثقفوهم يلغون شعوبهم الثائرة!

حجم الخط

عندما يُروِّج إعلاميون وكُتاب ومثقفون وسياسيون من أطراف الأنظمة المنهارة ومن صنائعها، أن ما يجري في العالم العربي اليوم، من أحداث، وما يتجلى من ثورات شعبية، ليس سوى "مؤامرة" صهيونية أميركية أوروبية الخ. لضرب "الأمة" العربية وتقسيمها وعودة الاستعمار، كلام أقل ما يُقال فيه إنه معاودة لغة الطغاة بإلغاء شعوبهم. فهذه الأقلام والألسنة تتجاوز إرادة الناس، وتتجاهل (عن عمد) تاريخ هذه الأنظمة الغارق في الدم، واللامع بالقتل، والمزدهر بعتمة السجون، والمنتصب على جبال من الشهداء والضحايا. فهم في "قولاتهم" هذه لا يخونون شعوبهم فقط، وإنما يحرضّون على إبادتهم، ليجعلوا من السفاحين "ضحايا" وأبطالاً، ومن الضحايا "سفاحين" وخونة. وقد وصل الأمر بهؤلاء ان نزعوا عن هذه الشعوب "صفة" المواطنية و"الإنسانية" والسياسية بوصفهم مجرد "أوبئة" أو "جرذان"، أو عملاء، أو متطرفين، أو استئصاليين، أو عصابات مسلحة. لم يُبقوا شيئاً للناس. لا شيء. إنه منطق الطّغاة، والترهيب والترويع و"التمسيخ"، ينضمون إليه مجدداً في نظرة "دونية" لأهلهم واستعلائية، أكثر: لا يتورع بعضهم عن اتهام الثوار بإثارة "الفتن" و"الحروب الأهلية" وأخذ الأوطان إلى الهاوية، خدمة للاعداء!

إنها اسطوانة "الطغاة" يُنشدها أتباعهم من حملة "الأقلام" الحمراء لتؤكد أن وجود "الشعب" العربي "المتمرد" (اليوم)، "الثائر"، الساعي إلى الحرية، والديموقراطية والكرامة، هو وجود "افتراضي"، "خيالي"، انشائي، باعتبار أن الشعب العربي (بمفهومهم) مصبوب في قوالب أبدية من الجهل، والغباء والذل والخنوع والسلوك القطيعي والطاعة والغياب والتقصير والذي لا يحتاج لكي يستمر ويستقر سوى بقائه في زريبة، أو اسطبل، أو قن … مُدّجنّاً، محكوماً بحاجاته، وبغرائزه وبلحظاته… خارج التاريخ والجغرافيا وحتى العالم، بل وبعيد كلياً عن أي "فعل" للاختيار أو للإرادة، أو حتى للاحتجاج، أو النقد… فهذه كلها من مواصفات "الآدميين" وشعوبهم بالنسبة إليهم من صفوف المواشي والدواجن والكائنات "الروبوتية" المُشيأة التي تُحَرِك عن بعد أو عن قرب… أو تحطم تحطيماً! فالشعب ككائنات حية متفاعلة واعية لها "صوتها" هو مفهوم مردود. والشعب كأفراد لها مشاعرها وعقولها وهواجسها وقلقها مردود. فصَوته من صوت "أسياده" وهواجسه من هواجسهم. وفرديته من "مصهرهم" وحقه من انتقائيتهم. لا شيء إذاً، مسموح لهم لأنهم غير مسموح بهم كبشر. ولهذا، ولأن الطغاة وأبواقهم الإعلامية والسياسية والثقافية، "اقنعوا" انفسهم بهذه النظرة الإلغائية، المشوهة للناس، فقد انكروا على غير تصديق، وعلى غير ما ترى عيونهم، وتسمع آذانهم، ان يكون ثار هؤلاء عليهم. فاجأهم أن شعبهم موجود. وله حناجر تصرخ. وعيون وأيد وأجسام وأفكار وشجاعة ومشاعر وكرامة. فاجأهم ان يخرج هذا الشعب من قوالبهم. فاجأهم ان هذا الشعب العربي أذكى منهم. وأشعر منهم. وأكبر منهم ولهذا أرادوا إبادته. إعادته إلى مربعاتهم، بكل ما أوتوا من بطش وقمع وقتل وتصفية وقصف بالطائرات والبوارج والدبابات: فكأنهم بذلك يدمرون "صنائعهم" و"دُماهم" و"عبيدهم"… هذا ما نشهده منذ ثورتي تونس ومصر وصولاً إلى ليبيا وسوريا ومروراً باليمن. ما هال الطغاة وروّعهم وأفقدهم أعصابهم ورشدهم. كيف لهؤلاء ان يتجرأوا عليهم تجرؤ المخلوق على الخالق، والمصنوع على الصانع، والمقتول على القاتل والعين على الشمس! وها هم مستمرون في مجازرهم وبلا رحمة ولا تفكير وبلا رجوع. من هم هؤلاء الجرذان ليواجهونا. من هم هؤلاء "الفئران" والأوبئة والكلاب والخونة، لكي يتحدونا. انها لحظة يعيشها الطغاة بين الكابوس والكابوس، بين الجنون والجنون وبين السقوط والسقوط أكثر": كيف يظن هؤلاء الناس المنتفضون، اننا كطغاة لا نستمر ولا نبقى. انهم يخالفون شريعة العالم ومنطقه وموازينه وقوانينه وحتى أديانه. بل كيف يعتقدون أن الطغاة ليسوا خالدين وأبديين بأبنائهم وأحفادهم وأقاربهم وتماثيلهم؟ بل كيف يمكن قبول فكرة أن الطغاة يخسرون. وهم المنتصرون دائماً. والمظفرون، بلا حروب ولا معارك، والمتوّجون بلا حساب. أكثر: ماذا تنفع هذه الشعوب كلها من دوننا (يفكر الطغاة وأذيالهم من الكتبة والمخبرين). نحن وهبناهم الحياة و"المجد" والعيش وحتى السجون (كمكافأة على وجودهم) والموت (كذكرى لحياتهم). أو ليس هذا ما يُعبر عنه القذافي في تخيلاته وهلوساته الأخيرة: سأقتلكم واحداً. واحداً. اقطعكم إرباً إرباً. وكيف نفسِّر هروبه من زنقة إلى زنقة. ومن حجر إلى حجر. بل كيف نفسِّر استخدام ما تبقى له من المرتزقة لإحراق بلاده. (يقصف طرابلس بالصواريخ). وكيف نفسِّر سلوك النظام السوري، الذي لم يستعمل بوارجه ولا دباباته ولا جيوشه ولا طائراته إلاّ لقصف المتظاهرين العزل (بأي قلوب يقصفون أهلهم بالدبابات!) وتدمير المدن والمنازل والدساكر وإحراق المحاصيل، ثم يبرئون أنفسهم (ويبرئهم المرتزقة والمخبرون من حملة الأقلام المزورة)، ليتهموا العصابات المسلحة. كيف يتحول النظام الحديدي… إلى مجرد ميليشيات وشبيحة. والأسطوانة التي رددها مبارك وبن علي وعلي صالح يرددها اليوم القذافي بصيغ متنوعة "الصليبيون" و"الاستعمار" والامبريالية… يريدون ان يستولوا على نفط الليبيين (ومتى كان النفط الليبي في خدمة الشعب أم في حوزة النظام وهذه المعزوفة يرددها النظام السوري: "الثورة" هي مجموعة عصابات مسلحة وسلفية. تستخدمها الولايات المتحدة وأوروبا.. لضرب قلب "الممانعة" و"المقاومة" (أين؟ في لبنان أم في العراق أم في فلسطين)، بل يرددون أن ما يجري في سوريا منذ أشهر ليس أكثر من محاولة استعمارية جديدة لتقسيم سوريا إلى جزر طائفية، وإلى إثارة حرب أهلية… أما أصابع النظام فنظيفة، هفهافة، من الدماء المهراقة، والجثث المتكاثرة، وعمليات التدمير، والترويع والقنص والحصار وقطع الكهرباء والماء والاتصالات: كل هذه الأمور إما منفية وإما لمحاربة العصابات والمخططات الغربية: بل انها استمرار لمقولة "الصمود والتصدي"! وهذا يعني في نظر الطغاة (ومرتزقتهم من الإعلاميين والسياسيين والثقافيين) ان هناك طرفين لا ثالث لهما! النظام الشرعي من جهة والجرذان والعصابات السلفية والقاعدة والخونة من جهة ثانية وما بينهما فارغ. لا شيء. الشعب غير موجود. هناك الطغاة الذين يمثلون القانون والدولة (لا دولة ولا قانون). وهناك الخارجون على القانون والدولة: والمتظاهرون بالملايين تلفيق تلفزيوني، وتركيبات فوتوغرافية لا مظاهرات سوى بالعشرات. وأقل. ولا هتافات. ولا شعارات. ولا مئات ألوف. ولا قتلى ولا جرحى سوى ما ترتكبه العصابات السفلية (من اخترع العميل العبسي في لبنان وألبسه لبوس السلفيين!). فالناس فقط يموتون على أيدي هؤلاء. وهم غير موجودين سوى كقتلى وموتى وتوابيت وتشييع: عدا ذلك بدون وجود مادي ولا معنوي ولا لفظي ولا مجازي. هناك العصابات وهناك الأمن والجيش "يدافع عن الناس" والباقي أمور تفبركها بعض التلفزيونات العربية والغربية.ويعني ذلك ان النظام الذي يقتل ويقمع ويدمر، ويحاصر ويمنع الناس من التعبير عن رغباتهم في اسقاطه، هو الذي يدافع عنهم. وهو الذي يحميهم. وهو الذي يكرمهم. والدليل ان هناك تظاهرات كبيرة تنطلق تأييداً للنظام.. ولا ترمى بوردة. تظاهرات نظيفة هفهافة، باعلام أنيقة؛ وهذه هي قوات الأمن ترافق هؤلاء وتُعينهم في هتافاتهم وصراخهم! فكيف يقال إن النظام لا يحمي المتظاهرين حتى الذين يؤيدونه. وهذا دليل على احترامه التعددية الأحادية. فهناك إذاً تظاهرات ضد النظام يحميها من نفسها بقصفها وقتها ومحاصرتها، وهناك مظاهرات مؤيدة يحميها دفاعاً عن نفسه. فالشعب "المؤيد" له موجود حي، حر، مواكب، ومُحتضن في وسائل الاعلام، وهناك شعب آخر، لا تعتدي العصابات المسلحة إلاّ عليه (لا نجدها تعتدي على التظاهرات الرسمية!) وهو مُعرَّض باستمرار للقتل، والترهيب والاعتقال والتعذيب لحمايته من "العصابات المسلحة والسلفيين" وذلك يفسر ان هناك شعبين: شعباً مرئياً مسموعاً هو شعب السلطة، وآخر يمنع عنه الاعلام العربي والعالمي لكي لا يشوه هذا الاعلام الواقع! شعب محسوس، وآخر غير محسوس. شعب موجود وآخر غير موجود. شعب حقيقي وآخر افتراضي. ونظن أن "الشعبين" في نهاية المطاف، وفي الحسابات الديموقراطية "ملغيان" في نظر النظام. فالذي يُستدعى ليُصفّق كمرآة للنظام وبسطوته غير موجود كفاعلية، أو كتفاعل، او كمحصلة نقدية. والشعب الآخر (المُعادي) غير موجود أيضاً. الأول يختزل بالنظام والآخر بالعصابات المسلحة، لنخلص إلى ان الموجود الوحيد في سوريا واليمن وليبيا هو النظام. وكل ما عداه مجاز له. وثورية لسلطته. (وقد وصل الأمر بوليد المعلم ان ألغى أوروبا عن خريطة العالم كما ألغى شعبه أصلاً! يا لطيف).

ولكن ماذا نفعل لهذا المنطق المريض عندما نكتشف كل يوم، في الأقطار العربية المنتفضة، ان العكس هو الصحيح بالملموس وبالمعيش وبالصوت وبالصورة: الطغاة يتبخرون ويتساقطون ويختفون عن "السمع" والثوار يحتلون الواجهات. الطغاة يبحثون عن مأوى، أو عن جُحر، والثوار يعتلون القبب، الطغاة هاربون من مصيرهم المحتم، والثوار يطاردونهم. مع هذا، فإن بعضهم لا يصدق. وكذلك فلول أبواقهم. "يدافعون" عنهم ويجملّون صورهم ويلغون الشعوب الثائرة ليختزلوها في الاستعمار ومؤامراته أو في "العصابات المسلحة" وقد شاهدت قبل أيام على احدى الشاشات العربية ندوة تكلم فيها بعض "المحللين" (يا عين) وبعض المختصين… يا عيوني، وقال أحدهم (وصوته ينفض مخابراتٍ) ان إسرائيل واميركا هي وراء ثورات مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا… وقبلهما اتهمت ثورة الأرز بالخيانة والعمالة لإسرائيل وفيلتمان من قبل عملاء الطغاة وخونة الأوطان.

فبعد أكثر من 7 أشهر من الثورات العربية ونزول ملايين المتظاهرين إلى الميادين والساحات وسقوط آلاف الشهداء وتدركب ثلاثة طغاة… والباقي على الطريق، ما زال هناك من يُلغي شعبه وينفي أي دور له… هؤلاء، سواء كانوا دكتاتوريين أم أذيالاً هم في طريقهم نحو الاندثار… والغياب والأقل من ذكرى!
اما ثوارنا الذين رفعوا رأس الأمة العربية عالياً… فها هم قادمون، قادمون في انتصاراتهم الراهنة والآتية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل