مرة جديدة تضع روسيا نفسها خارج التحولات العربية المتلاحقة. فبعد ليبيا يأتي الموقف من الثورة السورية التي جعلت الحرية والكرامة والديموقراطية شعارها الاساس ليتبين ان موسكو لا تقيس الأمور إلا بمعايير المصلحة البدائية وبشيء من الحنين الى ماضيها الامبراطوري، اي انها تسعى الى حماية شريك تجاري (السلاح) يمنحها تسهيلات لما تبقى من أسطولها العسكري في المتوسط، وفي نظرتها ان النظام السوري يبقى على رغم غزله الدائم مع الولايات المتحدة، أقرب الى موسكو التي تؤدي دورا دوليا أقرب الى الابتزاز السلبي منه الى الفعل الايجابي.
تبدو موسكو في الملف السوري شريكا يقف عند حافة الطريق في حين تتغير سوريا بسرعة قياسية بفعل تضحيات الشعب في مواجهة احد اكثر الانظمة وحشية ودموية بعد نظام صدام حسين. فالتغيير آت ونظام بشار الاسد سيرحل عاجلا ام آجلا. وبدل ان تحجز موسكو لنفسها مقعدا في سوريا ما بعد الاسد، فإنها واقفة عند نقطة الابتزاز في مجلس الأمن حيث تطلب عقد جلسة عاجلة لمناقشة الاوضاع في سوريا، في مناورة لاستباق تقديم الدول العربية مشروع قرار قوي ضد النظام وتعطيله. والهدف الاساس هو حماية نظام بشار الاسد الذي يمضي في قتل المواطنين العزل بحماية موسكو وبيجينغ في المحافل الدولية.
ان موسكو تخرج نفسها من سوريا بهذه السياسة القصيرة النظر، في حين تتحضر الدول الغربية لأن ترث سوريا ايضا لتصبح موسكو مرة جديدة لاعباً ثانوياً لا يتذكرها العالم إلا لمناسبة انعقاد جلسات مجلس الامن. اما الصين فإنها بالتحاقها بالموقف الروسي تكتفي بإرسال رسالة مفادها ان الصين عملاق اقتصادي وقزم سياسي. ولعل من المفيد التذكير بوضع الصين في ليبيا اليوم. فبعدما كانت تمتلك حصة كبيرة في السوق الليبية باتت في حاجة الى استجداء الدعم الغربي للمحافظة على عقودها السابقة مع نظام معمر القذافي. ان الموقف الروسي المعرقل لاتخاذ قرار قوي ضد القتلة في سوريا لن يوقف عجلة التاريخ، ولن يوقف الثورة، ولن يعيد الشعب الثائر الى المنازل، ولن يحمي النظام الراحل. وفي النهاية ستجلس موسكو الدولة الكبرى الطامحة الى استعادة شيء من مجدها الامبراطوري على هامش الاحداث في الشرق العربي، وكان في إمكانها ان تنزع عنها الحنين الى الثنائية القطبية السابقة، وان تتصدر عملية التغيير بقوة فتنتزع دور الريادة في سوريا ما بعد نظام الاسد. لا عودة الى الوراء في سوريا. ولذلك فإن الاسراع في الوقوف بجانب الشعب المنتصر لا محالة في سوريا هو أفضل ما يمكن للقيادة الروسية ان تفعله، بدل ان تقبل بدور رجع الصدى لمواقف ايران في المحافل الدولية.
ان السوريين لن يغفروا لكل من ناصر قتلة الأحرار من نساء واطفال وشيوخ ورجال، ولن يسامحوا اي جهة غطت حمام الدم الذي يتسبب به النظام. لن يغفروا لاثنين: إيران وتابعها "حزب الله" من جهة، وروسيا من جهة اخرى…