نجح رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، حتى اليوم، في امتصاص الضربات السياسية التي واجهته ولا تزال منذ تسميته رئيسا للحكومة الحالية، مرورا بتجاوز "قطوع" صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتردّداته، وصولا إلى تطويق و"تقطيع" ملف الخطّة الكهربائية حتى إشعار آخر في السابع من أيلول المقبل، بعد دخول البلاد في عطلة عيد الفطر، وانكفاء المواقف السياسية الحادّة وحرب السجالات التي سجّلت من هنا وهناك في الآونة الأخيرة، ولا سيما أنّ اهتزاز المشهد الداخلي يوحي بأن الحكومة الحالية دخلت في لعبة انتظار الوقت، على خلفية القلق الذي يعيشه أكثر من طرف في داخلها وفي مقدّمهم النائب وليد جنبلاط، الذي تدرك كل قوى 8 آذار أنّ التلاقي معه في الموقف السياسي هو "التقاء الضرورة" الذي لم يكن نابعا من قناعته بمشروع 8 آذار وموقفها من التطوّرات التي تعصف بالمنطقة، ما يوحي بأن أي تبدّل في الظروف الإقليمية هذه سيؤدّي بجنبلاط إلى إعادة خلط الأوراق الداخلية مجددا، وإلى رسم خريطة سياسية داخلية مختلفة عن الواقع الآني. أما بالنسبة إلى "حزب الله" فيعتريه بعض القلق من مواقف حليفه المسيحي النائب ميشال عون الذي يظهّر أداؤه الكثير من الشخصانية وتقديم الحسابات الخاصة على الحسابات السياسية، الأمر الذي يؤدّي إلى إحراج الحزب وزيادة الضغوط عليه، والتي هو في غنى عنها في هذه الفترة الحرجة، لأن اتّباع "جنرال الرابية" سياسة التهديد والوعيد وقلب الطاولة على الجميع استفزّت زعيم المختارة الذي رفع سقف المواجهة داخل الحكومة، مستندا إلى موقعه الوسطي وكونه نقطة الثقل في تحديد الأكثرية، وهو بدأ بالتلويح بخيارات قد يتخذها فيما لو استمرّ عون في نهجه التصعيدي والاستفزازي. هذا بالإضافة إلى أن "حزب الله" بات بحكم المؤكد من عدم تمكّن النظام السوري من الخروج من الأزمة المستفحلة التي يعيشها سالما معافى، من دون أن يعني ذلك تغييرا في استراتيجيته أو استراتيجية راعيه الإيراني بتقديم أي مساعدة للنظام السوري مالية كانت أم لوجستية وحتى عسكرية إذا اقتضى الأمر.
لذلك فإن حكومة الرئيس ميقاتي ستكون بعد عطلة عيد الفطر أمام عملية "شدّ حبال" مجددا في موضوع مشروع الكهرباء بين عون وحليفه "حزب الله" من جهة، والرؤساء ميشال سليمان ونبيه بري ونجيب ميقاتي من جهة أخرى، سيؤدّي في حال استعاره إلى سيناريو مطلوب من "حزب الله" ويكون رأس الحربة في تنفيذه النائب ميشال عون، ويقضي بتعطيل مسيرة الحكومة حتى تصبح حكومة تصريف أعمال، لأن لا الحزب ولا عون يرغبان بوجود حكومة شرعية ودستورية، وهما ينتظران التوقيت الملائم للإطباق عليها، ذلك بهدف التهرّب من تنفيذ بعض الالتزامات تجاه المحكمة الدولية بدءا بالقبض على المتّهمين الأربعة بتنفيذ جريمة الاغتيال وتسليمهم، إلى الالتزام المالي تجاه هذه المحكمة حيث على لبنان تسديد المتوجّبات عليه، والتي تبلغ قيمتها ما يوازي 49 في المئة من موازنتها السنوية، وهذه المبالغ مستحقّة على لبنان منذ شهر آذار الفائت، وخصوصا أنّ فترة السماح بتسديدها يجب ألّا تتجاوز نهاية العام الحالي. هذا بالإضافة إلى أن الحكومة الميقاتية، في حال استمرارها، عليها مناقشة إعادة تفويض المحكمة الدولية مجددا في شهر آذار المقبل، ناهيك بأن الحكومة ملزمة تقديم موازنتها عن العام المقبل قبل نهاية العام الحالي، وليس باستطاعتها تقديم مشروع الموازنة هذا خاليا من أي بند يؤكد التزام لبنان ماليا تجاه المحكمة الدولية. يبدو أنّ لعبة الوقت ليست في مصلحة الحكومة، وخصوصا أنّ تساؤلات كثيرة تطرح في الأوساط السياسية حول مصيرها، بعدما تخطّت الخلافات داخلها السقف المسموح به في حكومة يفترض أنها متجانسة انقسمت على قضية حيوية قد تؤدّي إلى إسقاطها من دون أي تردّد، ولا سيّما أنّ التأجيل جاء تحت حجج متعدّدة أثبتت أن الخلاف ليس بريئا!