هل تدفع تطورات المنطقة والمحكمة في اتجاه "هبوط هادئ" للحكومة؟
حرص على تجاوز صاعق الكهرباء واتصالات لايجاد آليات المخرج
لا تخفي مراجع سياسية بارزة كان لها حركة اتصالات ومشاورات داخلية وخارجية واسعة في الاسابيع القليلة الماضية خشيتها من التراجع الذي تشهده تطورات الاوضاع في المنطقة وانعكاساتها المباشرة على الساحة الداخلية. وهي تترقب في هذا الصدد ان تحمل الاسابيع والاشهر القليلة المقبلة متغيرات اساسية لا بد من اخذها في الاعتبار والتعاطي معها بوعي وادراك لحجمها وللمسؤوليات التي ترتبها. وتشير الى انه بعد سقوط النظام الليبي، تقدم الملف السوري الى اولوية الاهتمام الدولي بالوضع في المنطقة بعدما كان هذا الملف يقبع في المرتبة الثالثة بعد ليبيا واليمن. وليست الانظار المفتوحة على دمشق اليوم الا الدليل على ان التطورات بدأت تتسارع خصوصا بعدما اصبح الكلام في الدوائر والقنوات الديبلوماسية الخارجية عن المرحلة الانتقالية لما بعد نظام الاسد، في ظل تفاوت في الآراء بين من يدعو الى ان يقود الرئيس السوري نفسه العملية الانتقالية ومن يتمسك بتنحيه عن السلطة.
ولأن اي اضطرابات في سوريا ستكون تردداتها قوية على الداخل اللبناني سياسيا وامنيا واقتصاديا وحتى ماليا، فان ليس ثمة ما يؤشر الى ان لبنان الرسمي يعي حجمها وتداعياتها بما يحصن الساحة الداخلية من احتمالات حصولها.
فالحكومة اللبنانية التي شكلت في ظروف سياسية داخلية واقليمية مضطربة لا تتعاطى مع المتغيرات الجارية بالجدية الكافية والكفيلة بابعاد اي مخاطر محتملة، بل ان جل ما تقوم به بصمتها هو اتخاذ مواقف متحفظة تبقيها على مسافة واحدة مع الخارج وإن كانت تنحو في بعض الاحيان الى تبني المحور الذي كان وراء قيامها. وهذا في رأي المصادر، وفق ما تنقل عن مراجع ديبلوماسية، لا يسهل الامور على الحكومة او على تعاطي المجتمع الدولي معها خصوصا وان مواقفها من القرارات الدولية والمحكمة الخاصة بلبنان وقرارها الاتهامي ملتبسة بالنسبة الى الغرب الذي لا يزال ينتظر ترجمة الوعود والالتزامات عمليا. والحكومة امام تحديين في هذا المجال اولهما تسليم المتهمين الواردة اسماؤهم في القرار الاتهامي الى المحكمة باعتبار ان التذرع بأن الحكومة حاولت ايجادهم ولم تتمكن من ذلك لم يعد مقنعا بعد حديث احد المتهمين الى مجلة "التايم" والتعريف بهويته ومكان اقامته ومحاولته تبرئة نفسه من الاتهام. والامر الثاني يتمثل بعدم التزام الحكومة دفع حصتها من تمويل المحكمة. ولم تستبعد مصادر في المعارضة ان يكون هذا الامر من احد الاسباب التي دفعت النائب ميشال عون الى سحب قانون البرنامج المتعلق بالكهرباء من مشروع موازنة العام 2010 وعرضه منفردا بمعزل عن المشروع بعدما بات شبه اكيد ان المشروع الذي يلحظ في مادته الـ18 قانون برنامج لتمويل المحكمة لن يقر في المجلس النيابي، حاله حال مشروع موازنة 2011 ، وان كان التمويل في 2010 تم باعتماد استثنائي عقدته وزارة المال لهذه الغاية انطلاقا من موافقة مجلس الوزراء على المشروع قبل احالته على المجلس.
وفي هذا السياق، تتحفظ اوساط دبلوماسية رفيعة عن اداء الحكومة وترى فيه تقطيعا للوقت وعدم مقاربة جدية للتحديات السياسية الحقيقية التي تواجه البلاد بفعل التطورات المتسارعة في المنطقة. وعلى عكس الرسائل الايجابية التي يتلقاها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من الوسط الغربي، ولا سيما الاميركي، حيال ادائه واداء حكومته ما يفسر تراجع اللهجة الاميركية الحادة حيال "حزب الله"، فان ثمة من يتحدث في هذه الاوساط عن توجه جدي في اتجاه "هبوط هادئ" للحكومة على حد تعبير احد السفراء بما لا يرتب اي انعكاسات سلبية على المشهد الداخلي.
ولأن الحكومة بكل مكوناتها – باستثناء العماد عون كما يبدو – تعي جدية هذا التوجه اقله في بعده الداخلي الذي تمثله المعارضة، فهي تتعامل بحذر شديد مع صاعق الكهرباء الذي يهدد عون بتفجيره في وجه الحكومة اذا لم يتم الامتثال الى مطالبه. وعلى رغم ادراك معظم هذه المكونات بما فيها عون ان الامور لا يمكن ان تصل الى مرحلة اسقاط الحكومة بقواها الذاتية او حتى تعطيل عملها او شلها وتحويلها الى ما يشبه تصريف الاعمال، خصوصا في ضوء تعويل رئيسها على القيام بانجازات على المستوى الاقتصادي والاجتماعي تواكب جهوده السياسية الخاصة في اتجاه جذب الجمهور السني في اتجاهه ( الحركة لافتة في طرابلس في اتجاه التنازع على سحب انصار "تيار المستقبل")، فان حركة اتصالات واسعة ينتظر ان تنشط اعتبارا من اليوم في اتجاه احتواء ملف الكهرباء.
وفي هذا السياق، علم ان الاتصالات التي لم تتوقف بين المكلفين بمتابعة الموضوع من ممثلي التيارات السياسية المختلفة لم تصل بعد الى بلورة آليات المعالجة، على ما تكشف مصادر وزارية مطلعة، مشيرة الى ان الاجواء اصبحت "اكثر ليونة" ومستبعدة ان يشكل هذا الموضوع اي مشكلة في الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء. وتعزو ذلك الى ان مختلف الافرقاء يعون ما معنى تصدع الحكومة في هذه المرحلة ويعون سوء البدائل المطروحة، ما يدفع الجميع الى العودة الى الهدوء والبحث عن المخرج المرضي للكل.
وعما يجري بحثه حاليا، اوضحت المصادر ان الحكومة متمسكة بحقها في ارسال ملف الكهرباء الى المجلس النيابي من خلال مشروع قانون تعده. وفهم ان المشروع سيقتصر على الاجراء المتعلق بخيار انتاج 700 ميغاواط وتحديد مصادر تمويله والاطار القانوني له وتحديد التزام القانون 462 مع لحظ التعديلات المقترحة له. وينتظر ان تسفر الاتصالات عن الصيغة التي سيتم اعتمادها والجهة التي ستقوم باعداد العمل في ظل اقتراح كان سبق درسه في دارة النائب وليد جنبلاط يرمي الى تشكيل لجنة وزارية.