ما زالوا يتكلمون في "حزب الله" لبنان ونظامه في دمشق عن الممانعة والتصدي للمشاريع المشبوهة في المنطقة… فتحت شعار الممانعة والطوق والصمود والمواجهة اخفت انظمة واحزاب في المنطقة ولبنان على مر سنوات وسنوات حقيقة زيفها وتكلس احشائها ورجعيتها المرضية لدرجة ان الثورات العربية الحالية كشفت عورات لم يكن بالامكان تصور مدى خطورتها حتى الامس القريب على مصير الشعوب والمنطقة باسرها.
تحت شعار الممانعة والصمود والتصدي ومواجهة مشاريع الشيطان الاكبر في المنطقة اي الولايات المتحدة والشيطان الاصغر ربيبتها الصغيرة الملحقة – انقضّت الانظمة "الممانعة" على شعوبها واحكمت سيطرتها الفولاذية بالحديد والنار والقمع والتنكيل وانقض "حزب الله" على لبنان واللبنانيين بقوة السلاح وصوت الممانعة والمواجهة التي لا يعلو عليها صوت اخر…
وتحت شعار الممانعة والصمود والتصدي والمواجهة حرمت الانظمة الاستبدادية وفي طليعتها النظام السوري شعوبها من التنمية والنمو والتطور والتقدم والريادة لان هذا التقدم وهذه الريادة من شأنها ان توصل تلك الانظمة يوما الى الرحيل اذا ما تفتحت اعين الشعوب المتعلمة والمثقفة على جهل انظمتها وجورها ورجعيتها ومتاجرتها بالشعارات القومية والمصيرية…
وتحت شعار الممانعة والتصدي والصمود والمواجهة لم يعد يحق للبنان مع "حزب الله" الا ان يحكم منه ومن خلاله ومن اجله … سيطرة احتلالية واسعة النطاق قضت ولا تزال على الحياة السياسية والوطنية والدستورية وعلى الثوابت والاعراف والتوازنات اللبنانية التي لطالما امتاز بها لبنان، والتي ادى تجاهلها الى اندلاع حروب اهلية وداخلية مدمرة للبنان وجميع اللبنانيين دون سواهم على مر سنوات ومحطات تاريخه الحديث واخرها حرب 1975…
وتحت شعار الممانعة والمواجهة والتصدي والصمود، اطيح بالوفاق الوطني وانقسم لبنان الى "قسطاسين" وصودرت ارادة اللبنانيين وحوصرت اجهزة الدولة وجردت قواها الامنية من حقها الشرعي والمشروع في حصرية السلاح والحماية والدفاع عن الوطن…
وتحت شعار الممانعة والمواجهة والتصدي والصمود بات لبنان في مواجهة الاسرة الدولية كرمى عيون "حزب الله" – الذي بات ابعد ما يكون عن مقاومة وعن تصدي وعن مواجهة وعن ممانعة… الا للبنانيين ولقيام الدولة السيدة الحرة والمستقلة…
وتحت شعار المواجهة والتصدي والممانعة راحت تسرح وتمرح تارة فوق الطاولة وطورا تحتها في المنطقة ولا سيما بين النظام السوري واسرائيل والولايات المتحدة منذ 1990 صيغ تلزيم لبنان للنظام السوري وتابعيته اللبنانية واخرى لابرام صفقات سلام بين سوريا واسرائيل لا لشيء الا لضمان استمرار وبقاء النظام ولو على حساب لبنان وارادة بنيه… ولو على حساب الممانعة ورافعي لوائها في سوريا او لبنان او ايران… فاصبحت الممانعة ورقة مقايضة… ليس الا…
فاي ممانعة تلك التي تحرم الشعوب من حريتها…
واي ممانعة تلك التي "تستغبي" العقل والمنطق والحس البشريين: فتنفي انظمتها كما في سوريا وجود حراك ثوري شعبي وفي الوقت عينه تتكلم عن اصلاحات وعن تفهم مطالب الشعب المزمنة بالاصلاح وصولا الى حديث وزير خارجية الجمهورية الاسلامية الايرانية الاخير الذي حض النظام السوري على الاستجابة لمطالب الشعب الاصلاحية… ما يؤكد وجود مطالب وثورة ضاغطة وحسابات جديدة في مواجهة غطرسة الانظمة الممانعة… شكلا… او حتى آخر لبناني او فلسطيني او اردني او مصري … من دمشق…
واي ممانعة تلك التي تحدو بـ"حزب الله" و"وزبائنيته" المحلية في لبنان الى التدخل الفاضح في الشؤون الداخلية السورية وتسمح له بالمجاهرة بالوقوف الى جانب النظام ضد الشعب السوري… وبات مفهوم الدولة لديهم مقتصرا على الانظمة من دون الشعوب كما باتت جامعة الدول العربية جامعة الانظمة لا الشعوب العربية … والقول بالوقوف الى جانب الشعب السوري خيانة… فيما القول بالوقوف الى جانب النظام "المستبد" و"الظالم" بحق شعبه بطولة ومجد وواجب…
واي ممانعة تلك التي لا تحرك ساكنا في الهجوم على اسرائيل من ايران الى "حزب الله" مرورا بالنظام السوري وقد حافظ على 25 سنة هدوء في الجولان مؤدياً خدمات جلى لاسرائيل … فيما طهران تنادي وتصيح بمحو اسرائيل عن الخارطة من دون اي تحريك لترساناتها الصاروخية … و"حزب الله" ومنذ العام 2000 ينسحب الى الداخل اللبناني بعدما كان على الحدود… ويقوم بعد تموز 2006 بشن حرب مواجهة وتصدي وممانعة ضد ابن المزرعة والمصيطبة والاشرفية وعائشة بكار وبرج ابي حيدر … وصولا الى باب التبانة وبعل محسن… مرورا بحرب اسقاط الشرعية والحكومات والالتفاف على الدساتير والعهود والوعود ساعة يشاء وتظهيرها والتكلم بمصطلحاتها بما يراد بها باطلا ساعة يشاء… كالكلام عن الديمقراطية والدستور لتبرير انقلاباته حين تكون لمنفعته والتكلم عن مشروعية مقاومته عندما يتعلق الامر بسلاحه وتقوية الدولة وقواها الذاتية واستعادتها سيادتها واستقلالها…
حقا انها لممانعة ضالة… ضلت طريقها من الخليج الى المتوسط…
فانتهت اخيرا المسرحية الهزلية …
