خبرة اللبنانيين بالنظام السوري الذين عايشوا حبكات سيناريوهاته السياسية والمخابراتيّة تجعلهم متيقنين بأنّ الإنذار الأخير الذي تلقّاه النظام عربياً وإقليمياً ودولياً، لن يغيّر شيئاً في واقع العنف والقمع والقتل في سورية، النظام لا يستطيع وقف العنف وقتل المتظاهرين ولسبب بسيط، وقف العنف يعني تضاعف عدد الحشود إلى ملايين وفي كلّ المدن السوريّة، وبقاء الحشود في الطرقات والساحات، فكلّ هذا القتل لم يجعل الشعب السوري يتراجع عن قراره بإسقاط النظام الذي يقتله ويقتل أطفاله على مرأى من العالم أجمع!!
والإنذار العربي الأخير الذي تلقّاه النظام السوري على شكل مبادرة عربيّة وأدها النظام لحظة ولادتها عبر بيان صدر ليل السبت/الأحد 28 آب نصّ على توجّه أمين عام جامعة الدول العربية نبيل العربي بشكل عاجل إلى دمشق حاملاً مبادرة لحل الأزمة في سوريا… وتعامل النظام السوري مع البيان على طريقة «النعامة» فقرّر أنه كأن لم يكن لمجرّد تجرأ العرب على مطالبة النظام ـ حرصاً على بقائه ـ إلى «وضع حد لإراقة الدماء وتحكيم العقل قبل فوات الأوان… وتعبيره عن «قلق وانزعاج الدول العربيّة إزاء ما تشهده الساحة السورية من تطورات خطيرة أدت إلى سقوط آلاف الضحايا وإلى احترام حق الشعب السوري في الحياة الكريمة الآمنة وتطلعاته المشروعة نحو الإصلاحات السياسية والاجتماعية»، هكذا سقط سقط الإنذار الأوّل على عتبة صلف نظام لم يعد يملك من الأوراق لبقائه إلا القمع والقتل علّ الشعب يتراجع !!
الإنذار الثاني كان إقليمياً وعلى لسان الرئيس التركي عبد الله غول الذي كشف في تصريح له يوم الأحد 28 آب أنه فقد الثقة بالنظام السوري قائلاً:»من الواضح أننا بلغنا نقطة سيكون معها أي شيء غير كاف وفات أوانه، لقد فقدنا الثقة، إن أنقرة دعمت الشعب السوري لان الشعب هو الأهم» وكان الملفت في تصريح غول أمران الأول إشارته إلى متابعته: «التطورات في سورية كل يوم وهو يتلقى تقارير إستخبارية عما يحصل، لأن سورية بلد جار لتركيا… أمّا الأمر الثاني فحديثه الذي لم تعد وسائل الإعلام إلى بثّه لاحقاً كأنّه سحب من التداول وأشار فيه إلى «إدارة محليّة» لكل منطقة لتدير شؤونها بنفسها،من دون أن يوضح غول كيف؟
أمّا الإنذار الثالث فكان دولياً، لم يتحمّل وزير خارجية روسيا عناء نقله فكلّف نائبه ميخائيل بوجدانوف بالمهمّة الذي التقى الأسد لمدة تتجاوز الساعة حاملاً رسالة من الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف لنظيره السوري،يطالب فيها بوقف أعمال العنف فوراً وتنفيذ الإصلاحات وفق برنامج محدد وإلا…»!!
(قضي الأمر الذي فيه تستفيان)، البعض كان يقرأ سقوط نظام القذافي على أبواب عيد الفطر، والسوري على أبواب عيد الأضحى، الأمر أعجل من ذلك فالصورة تشي بمضاعفات دراماتيكيّة تنظمها معادلة بسيطة: الإصلاحات مجرد وعود واهية ووهميّة، فالإصلاح يعني أن ينحر النظام نفسه، ويتنازل الرئيس عن الحكم عبر انتخابات ديموقراطيّة، والمعادلة يتساوى فيها موقفان: الشعب لن يكفّ عن التظاهر وتجاوز هتافه كلّ ما نادت به الشعوب العربيّة فوصل إلى حدّ: «الشعب يريد إعدام الرئيس»، ويقابل هذا التظاهر موقف النظام في الإصرار على القتل لأنّه إن أوقف القتل والعنف سيخرج الشعب السوري كلّه للتظاهر ضدّه، وهذا مشهد النهاية بالنسبة لنظام على حافّة الانهيار!!
ما قاله الرئيس التركي عبد الله غول يختصر الحقيقة: «من الواضح أننا بلغنا نقطة سيكون معها أي شيء غير كاف وفات أوانه»، وهذه حقيقة أول مدرك لها اثنان: الشعب السوري… والنظام السوري أيضاً!!