كتب معروف الداعوق في صحيفة "اللواء":
"ينطلق النائب ميشال عون في انتقاده المنظّم للحريرية السياسية من عاملي عقدة النقص التي تسكنه، وتفاهمه مع "حزب الله" على حرف الإهتمام السياسي بمسار المحكمة الدولية".
يُلاحظ بوضوح أن رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون لا يفوِّت إطلالة إعلامية أو مناسبة سياسية وما شابه، إلا ويأتي فيها على انتقاد "الحريرية السياسية"، ساعياً بكل قواه لتشويه منجزاتها الضخمة في تطوّر لبنان وتقدّمه، ومحاولاً إلصاق تهم الفساد بها وتحميلها مسؤولية التسبّب بالأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يعاني منها البلد حالياً خلافاً للواقع والحقيقة، وجاهداً لتبرئة تياره وحلفائه من هذه المسؤولية المثبتة بالوقائع الملموسة، حتى وصل الأمر به أخيراً إلى حدّ اتهام حلفائه الجدد في الحكومة الحالية باستمرار انتهاج الحالة الحريرية في ممارستهم الحكومية على خلفية معارضتهم لمشروعه الحصول على مبالغ مالية طائلة من خزينة الدولة تحت ذريعة النهوض بالقطاع الكهربائي بمعزل عن ضوابط المراقبة القانونية المعمول بها في مثل هذه المشاريع الحيوية.
أما لماذا ينتقد النائب ميشال عون "الحريرية السياسية" باستمرار ويسعى لتشويه صورتها لدى الرأي العام في مقابل محاولاته الدؤوبة للظهور بمظهر الساعي لمكافحة الفساد ورأس الحربة في عملية الاصلاح المنشودة؟
من المعلوم أن النائب ميشال عون ينطلق في انتقاده المنظّم للحريرية السياسية من عاملين أساسيين، الأول شخصي بحت، ويرتكز على عقدة نقص تسكن كل هواجسه وتصرفاته لدى مقارنته بما حققته هذه الحالة من إنجازات كبيرة وملموسة طوال العقدين الماضيين في عملية اعادة اعمار لبنان والنهوض باقتصاده نحو الافضل وتحسين مستوى عيش اللبنانيين قياساً على السنوات السابقة ونقل لبنان الى مرتبة متقدمة بين الدول في الشرق الاوسط والعالم على حدٍ سواء، حتى باتت هذه الانجازات تحسب على "الحريرية السياسية"، داخل لبنان وخارجه، في حين ان انجازات النائب عون منذ تسلمه لمسؤولياته الحكومية بعد انتهاء ولاية الرئيس امين الجميل وحتى مغادرته الى المنفى الباريسي قسراً في بداية التسعينيات، ومن ثم عودته الى لبنان وترؤسه لاكبر تكتل نيابي مسيحي وحتى اليوم ما تزال محفورة باذهان اللبنانيين بالحرب التي شنها على القوات السورية الموجودة في لبنان في ذلك الوقت ومن ثم مشاركته في حرب الالغاء ضد "القوات اللبنانية"، وبعد ذلك تسببه في الهجوم الذي شنته القوات السورية على قصر بعبدا، وما ادت اليه هذه الحروب من خراب ودمار وتهديم للبنى التحتية وتهجير اللبنانيين والتسبب بمقتل المئات وجرح الآلاف منهم، في حين انه لم يستطع طوال مرحلة توليه المسؤولية من المساهمة في انجاز اي مشروع مهم يهم حياة اللبنانيين ولو بالحد الادنى، بل ان مجمل ممارساته كانت تقتصر على الدخول في متاهات الاستفزاز والتحدي والممارسة السياسية المتهورة وغير المسؤولة كما يشهد معظم اللبنانيين بذلك.
يضاف الي العامل الشخصي، الاستياء الكبير الذي يبديه عون من "تيار المستقبل" كونه وقف حائلاً دون تحقيق طموحات رئيس تكتل التغيير والاصلاح التاريخية في الوصول الى سدة الرئاسة الاولى في الانتخابات الرئاسية عام 2008، في حين ان كانت الفرصة متاحة امامه لتحقيق هذا الحلم لو أيد "تيار المستقبل" ترشيحه لهذا المنصب.
أما العامل الثاني الذي ينطلق منه النائب عون في استهدافه المركّز للحريرية السياسية، إنما يستند إلى التفاهم المتفق عليه مع <حزب الله> مسبقاً لتكثيف الحملات على هذه الحالة وفي كل المناسبات، في محاولة مكشوفة لحرف الاهتمام السياسي عن مسار المحكمة الدولية الخاصة بملاحقة ومحاكمة المتهمين بارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بعدما باءت كل المحاولات التي قام بها الحزب وحلفاؤه لمنع قيام المحكمة، والسعي قدر الإمكان لتشويه منجزات الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومنع إكمال مسيرته، ولكن من دون طائل بالرغم من حدّة هذه الحملات لأنها لم تلق القبول لدى شرائح واسعة من الرأي العام اللبناني، وإنما احدثت ردّة فعل عكسية تمثلت بتقوية الالتفاف الشعبي حول "تيار المستقبل" خلافاً لتوقعات رئيس التيار العوني وحلفائه في هذا الخصوص.
ولا شك أن إخفاق رئيس تكتل التغيير والإصلاح في تحقيق الحد الأدنى من إنجازات "الحريرية السياسية" في مساره السياسي الطويل، ولّّد لديه حساسية مفرطة وعداء مستحكماً تجاه <"تيار المستقبل" الذي يتابع مسيرة "الحريرية السياسية" التي أطلقها الرئيس الشهيد رفيق الحريري منذ دخوله معترك العمل السياسي في العام 1992 وحتى تاريخ استشهاده في شباط عام 2005، وهو يسعى الآن جاهداً وبكل قواه لتحقيق الحد الأدنى من هذه الإنجازات علّها تساهم قدر الإمكان في طمس وإخفاء القدر اليسير من مآثره التدميرية في الحروب العبثية المتواصلة التي تسبّب بها في الماضي والتي ما تزال آثارها مطبوعة في أذهان اللبنانيين حتى اليوم.
لذلك، تتلاقى توجهات رئيس تكتل التغيير والاصلاح مع خطط حلفائه لاستهداف مسيرة "الحريرية السياسية" التي يتولاها "تيار المستقبل" برئاسة الرئيس سعد الحريري، في حين يسعى النائب عون بكل قواه لاستغلال موقعه وتحالفاته في هذه المرحلة، لتحقيق ما يبتغيه من الحد الأدنى للانجازات المطلوبة، بعد أن دهمته السنوات وأصبح في خريف العمر، لعلّه يسابق الزمن ولو تطلب الأمر مقايضة تحالفاته بتجاوز الدستور وتخطي قوانين المراقبة والمحاسبة كما يسعى في مشروع الكهرباء، ولكن بالطبع لن تصب هذه الطموحات في شعارات تكتل التغيير والصلاح، بل ستؤدي الى مزيد من تآكل الدولة وتعميم الفساد على يد من يروّج زوراً وبهتاناً لمكافحة هذه الآفة المدمرة.