أن يكون غسان بن جدو معجباً بالنظام السوري، ويأخذ موقفاً مؤيداً له، فهذا حقه الطبيعي، وأن يترك قناة "الجزيرة" بسبب عدم مهنيتها وتحيزها في نقل الحدث السوري أو غير السوري، فهذا رأيه وهو حر به، لكن ما لا يحق له هو ممارسة التضليل الإعلامي الذي بسببه ترك "الجزيرة" حسب قوله، وأن يتحف الشعب السوري بتحليلات مستفزة، مضللة، تصل إلى حد الإنتقاص من وطنية الشعب السوري وقواه السياسية المختلفة، وكأن السوريين لا يكفيهم تضليل ثلة من المحللين السياسيين للإعلام السوري، أمثال من يصف المتظاهرين بالحثالة أو المخربين أو العملاء.
لقد نقل عن غسان بن جدو قوله: "أعلم أن في سوريا لا يوجد ديمقراطية، ولا تعددية، ولكني مع النظام السوري لأنه نظام ممانع وداعم للمقاومة". ما معناه أن التحركات الشعبية السورية ليست سوى ضغوط على النظام السوري، حتى يتخلى عن مواقفه تلك.وهو ينتقد المحطات الإعلامية وأولها "الجزيرة" طبعا، وينتقد الدول الغربية، لأنها لم تعط الزخم الإعلامي ذاته للتحركات الشعبية في البحرين.
لن نناقش مع ابن جدو مقولة المقاومة والممانعة تلك، لكن نسأله فقط إن كانت الممانعة والمقاومة تمنع النظام من أن يكون ديمقراطيا ويعطي الشعب حقوقه السياسية المشروعة، ويكف عنهم بطش أجهزته الأمنية، ويستأصل الفساد وأسياد الفساد الذين سرقوا قوت الشعب ولقمة عيشه؟ ليست الممانعة ضد إسرائيل يا سيد غسان هي التي تمنعه من ذلك، إنما الذي يمنعه من ذلك هو أن هذا الخلل هو خلل بنيوي في تركيبة النظام الداخلية، فهو أساسا بنية قمعية فاسدة. ثم من أخبر ابن جدو أن الشعب السوري يمكن أن يرضى بنظام يساوم على الحقوق الوطنية السورية والعربية؟ وابن جدو ذاته يعلم علم اليقين أن مواقف النظام الممانعة مهما قيل فيها، ما هي إلا نتيجة للروح الوطنية للشعب السوري…. من جهة ثانية، فإن المواقف الانتقائية للقوى العالمية شيء مسلم به، وله نقاش آخر، ولكن المهم بهذا المقام، كيف يستقيم الأمر لغسان بن جدو أن يربط التحركات الشعبية السورية بكل ما يخطر أو لا يخطر على البال من العوامل والمؤثرات الخارجية، بينما نراه يتحدث عن التحركات الشعبية في البحرين على أنها داخلية صرفة وشعبية صافية، نقية، بكر، لا يأتيها الباطل من أمامها ولا من خلفها ؟؟!! وكأن البحرين لا تملك حدودا مع أحد، ولا يمثل موقعها أهمية إستراتيجية لأحد، وكأن أحدا لم يدع يوما ملكية جزيرة البحرين وانتماء شعبها له!! أهذه هي المهنية التي تطلبها يا ابن جدو؟؟!!
في حديثه ببرنامج "ترانزيت" على فضائية "المستقبل" اللبنانية يعتدل ابن جدو في جلسته ويتقمص شخصية المحلل المحايد ويقول: "إلى جانب المحتجين السوريين الذين يمزقون صورة الرئيس بشار الأسد، تجب الإشارة إلى متظاهرين مؤيدين للرئيس وهم كثر، صحيح كما يقال انهم محميون لكنهم موجودون”…. نعم يا سيد غسان كلامك بالمطلق صحيح، لكن هل قادتك مهنيتك العالية ولا شك، وحياديتك المشكوك فيها، إلى الإفصاح عن الواقع الذي تعرفه، حول الفرق بين متظاهر تطلق عليه النار ويقتل لمجرد أنه متظاهر، وآخر يشعر بالأمن والآمان ويمني النفس بحسن الثواب والنجاة من العقاب على قدر ما يرفع الصوت هتافا وتأييدا وبقدر ما يغني ويرقص على وقع رصاص القوى القمعية التي تقتل من دون رقيب أو حسيب، وسيكون ثوابه أكبر لو ساهم هو بالقتل والقمع وإلا فأقلها الوشاية . إن الوزن النوعي لقلة من أولئك الذين يواجهون الرصاص بصدورهم، يزيد أضعافا مضاعفة عن الوزن النوعي لتلك الآلاف المؤلفة التي تعدها يا سيد غسان، وأنت الذي يعرف كيف حشدت، وكيف حشرت.
يقول بن جدو في البرنامج ذاته ان النظام السوري نجح في توجيه المعركة باتجاه صراع بين نظام يريد الإصلاح والحوار ومعارضة لا ترغب بالحوار وتصر على الصدام … هنا يا سيد غسان تفلت مهنيتك من عقال التحيز المسبق وتقول الحقيقة ولو بقالب مغاير، نعم هذا ما يريده النظام فعلا ، الظهور بمظهر من يريد الإصلاح والآخرون لا يريدون ذلك، يفعل ذلك إعلاميا بينما يمارس على الأرض أبشع أساليب القمع والإرهاب ، هذا ما يسعى لإقناع العالم الخارجي به، لأنه هو وليس الشعب من يهتم بمواقف القوى الخارجية ويسعى لاسترضائها، ألم تر معي يا سيد غسان كم كان النظام سعيدا عندما رحبت فرنسا وأميركا بعقد مؤتمر المعارضة بدمشق، وكم حاول النظام وأبواقه الإعلامية النفخ بتصريح كلينتون حتى يبدو وكأنها تقول ان بشار الأسد هو الإصلاحي الأول في العالم، قديمه وحديثه؟! … لكن للأسف سرعان ما يعود ابن جدو لانحيازه قائلا ما معناه : أن الحوار يجب أن يكون صادقا من الجانبين، ولا بد من الابتعاد عن العنف من الجانبين. لا يا سيد غسان تعرف وأنت الإعلامي المخضرم أن المساواة بين الضعيف والقوي ليست حيادية، والموازنة بين من بيده مسدس ومن يقاوم بصوته وإرادته ليست عدلا، إنه الانحياز بعينه بل أبشع أنواع الانحياز، بخاصة أنك تعلم أن السلطة هي صاحبة المبادرة وهي القادرة على تحقيق إجراءات على الأرض تقنع الناس بجدية الإصلاح والبدء فورا بتنفيذ إجراءات تحقق سيادة القانون، صدقني يا سيد غسان ان المواطن كان ليفرح لو رأى محاكمة علنية شفافة لكل من تورط بقتل مواطن مسالم بالتوازي مع محاكمة كل من اعتدى على الممتلكات العامة والخاصة وكل من اعتدى على أفراد القوى الأمنية، وأقول محاكمة علنية وشفافة تستبعد كل الحالات التي يعرفها السوريون من تلفيق وفبركات جاهزة ومعدة مسبقا، والكل يدرك أن التحركات الشعبية سوف تستجيب لكل إجراء حقيقي وفعلي يعيد للشعب حريته وكرامته، إجراء فعلي وليس كلاميا فقط.
عند سؤاله عن الربط بين التحركات الشعبية السورية ومواقف القوى الدولية والإقليمية يستغرق ابن جدو في تحليل مهني بغض النظر عن وجهته ويحاول أن يربط بين موقف أميركا من الاحتجاجات الشعبية السورية وموقفها في العراق وحاجتها لموافقة إيرانية على استمرار الوجود الأميركي في العراق، ويقول نقطة هامة وهامة جدا وهي أن أميركا صمتت شهرا كاملا من دون موقف ما من الوضع في سوريا لأنها كانت في مفاوضات مع الجانب الإيراني حول وجودها في العراق، ليستنتج بعد ذلك أن أميركا لاتهتم إلا بمصالحها، وهي مستعدة للمساومة على مصالح الشعوب من أجل مصالحها الخاصة، وفي هذا الكلام الذي تنفلت فيه مهنية ابن جدو مجددا من عقال تحيزه،عدة نقاط لافتة:
– النقطة الأولى: نقتنع مع ابن جدو في أن الأميركيين غير معنيين بمصالح الشعوب ولا يهمهم غير مصالحهم.
– النقطة الثانية (وإن كان ابن جدو لا يقصد أن نراها ، لكن لنا أن نمارس حقنا في التحليل) وهي أن الأنظمة أيضا لا يهمها إلا الحفاظ على ذاتها، وهي تفاوض في الليل من تشتمهم في النهار، وطبيعي أن نقول ان تفاوض أميركا مع إيران هو بالوقت ذاته تفاوض أميركي مع النظام السوري.
-النقطة الثالثة: ان سكوت أميركا شهرا واستعدادها للتواطؤ على الانتفاضة السورية، يدحض قول المشككين: ان الانتفاضة مرتبطة بالقوى الاستعمارية، فما يقوله ابن جدو، والذي أكد أنه (معلومات وليس تحليلا) يؤكد أن الانتفاضة هي إنتاج عوامل داخلية سواء من حيث التوقيت أو الأهداف، أما الشعب السوري وخصوصا شباب الانتفاضة فمدركون أن القوى الاستعمارية لا تخاف من الأنظمة مهما تغيرت وتبدلت تلاوينها، لأنها مستعدة للمساومة ثمنا لبقائها، إنما تخاف من الشعوب التي لا بد أن تفرز أنظمة ملتزمة عن حق بمصالح شعوبها وحقوقها المشروعة.
لا يفوت ابن جدو أن ينتقد الموقف الفرنسي الذي تأخر في دعم الثورة التونسية، ليقول ما معناه ان الموقف الفرنسي قد تعدل متأخرا، غريب هذه الازدواجية أيها الإعلامي القدير، كيف يستقيم أن يكون الموقف الفرنسي الداعم للثورة الشعبية التونسية عودة لجادة الصواب، بينما أي موقف غربي فرنسي أو غير فرنسي داعم للثورة السورية هو مصدر شبهة للثورة والثوار؟؟ لا أستطيع أن أجد تفسيرا لهذه الازدواجية إلا أنك تنظر صوب دمشق من شرفة شقة في ضاحية بيروت الجنوبية.
رغم كل شيء ، اللافت هو التغير في لهجة السيد غسان بن جدو، التي أصبحت أقل حدة تجاه الإنتفاضة السورية، صحيح أنه تبدل لم يصل حتى إلى حدود التسعين درجة لكنه تبدل واضح، وهو إن عكس فإنما يعكس تأثير الإنتفاضة السورية وتأثير صمودها وتسجيلها كثيرا من المواقف التي تثبت أنها انتفاضة شعب حر، شجاع، قادر على تقديم التضحيات من أجل حريته وكرامته.
فمع احترامنا لمهنية ابن جدو، ندعوه لأن يحب النظام السوري كما يشاء، ويهيم بالسيد حسن نصر الله كما يشاء له الهوى أن يهيم، وأن يرى في الضاحية الجنوبية جنة الله الموعودة، ويقيم فيها ما شاء من المشاريع الإعلامية و الغذائية، لكن من دون إضافة مزيد من الإستفزاز للشعب السوري المقهور والجريح، الذي يودع في كل يوم شهداء ويزف شهداء جدد، يكفيه من يستفزه من أبواق النظام ومن يسمون محلليه السياسيين.