ســـنة 1974 وخلال الحملة الإنتخـابية الرئاســـية في فرنســـا، جرت منـاظرة تلفزيونية شـــهيرة بين المرشـــحين فرنســـوا ميتران وفـاليري جيســـكار ديســـتان. أثنـاء هذا اللقـاء حاول فرنســـوا ميتران إظهـار نفســـه كالمدافع الوحيد عن حقوق الفقراء والعمّـال المســـتضعفين امـام خصمه الأرســـتوقراطي فـاليري جيســـكار ديســـتان. فمـا كان من هذا الأخير الاّ أن حدّق في عيني خصمه بثبـات، وقـال له واثقاَ: M. Mittérand vous n’avez pas le monopole du coeur أي مـا معنـاه "يـا ســـيد ميتران إن القلب والتعـاطف الإنســـاني ليســـا حكراَ عليك".
هذا في فرنســـا. أمّـا في لبنـان فيتعرّض اللبنـانيون لنوعين من الإحتكـار: الأول إحتكـار النزاهة ونظـافة الكف، والثـاني إحتكـار الوطنية والدفـاع عن الوطن.
الإحتكـار الأول، يدّعيه "التيـار الوطني الحرّ" بزعيمه وكوادره وأنصـاره. فمن منّ عليه الله ســـبحانه وتعـالى بنعمة الإنتمـاء الى هذا التيـار فهو حكمـاَ في فئة الأخيـار الطـاهرين، الذين لا يمســـهم أي عيب، (وهذه نظرية شـــبيهة بعقيدة الحبل بلا دنس). فهم أربـاب الإصلاح والتغيير ومن هذا المنطلق لا يجوز أبداَ محاســـبتهم أو مراقبتهم وهذا يفســـر لنـا مشـــروع الوزير جبران باســـيل لإنتـاج 700 ميغاوات من دون المرور بالروتين العـادي. وإذا تجرَأ أحدهم وطالب باحترام القوانين المرعية الإجراء اتهّم بالكيدية وبعرقلة المشـــروع الذي ســـيؤمن النور لللبنـانيين.
الإحتكـار الثـاني يدعيه "حزب الله" بأمينه العـام ومســـؤوليه ومحـازبيه ومنـاصريه. فهم المســـؤولون الوحيدون عن المقـاومة والدفاع عن لبنـان ضد إســـرائيل. وهم مقياس الوطنية ومن يتجرّأ ويطلب أن تكون المقـاومة في كنف الدولة فهو عميل وخائن ويخدم إســـرائيل في طروحـاته. وكل من يقضي من أتبـاع هذا الحزب حتى على ســـريره، فهو حتمـاَ شـــهيد مهمـا كانت أســـباب الوفـاة.
هذان الإحتكـاران يمنـعـان إحترام القـانون. إذ كيف يمكن محاســـبة من يعتبر نفســـه وحدة القياس في نظـافة الكف والوطنية؟ خـاصة إذا ترافق ذلك مع امتلاك القوّة المســـلحة الرادعة.
من هنـا أقول وبالفم الملآن على غرار مـا قـاله فاليري جيســـكار ديســـتان: أيهـا الســـادة لا يمكنكم احتكـار النزاهة ونظـافة الكف والوطنية. وأقول أيضـاَ: إن هنـاك بين غير المنتمين الى "التيـّار الوطني الحر" و"حزب الله" من يتفوّق عليكم في هذه الصفـات الحســـنة التي تنســـبونهـا ربّمـا زوراَ لإنفســـكم، فالأنـا مقيتة.
فاللبنـاني العـادي، الموظف، أو صـاحب مهنة حرّة، أو المزارع، أو العـامل، أو ربّ العمل الذي أدّى قســـطه للعلى وأكل خبزه بعرق جبينه، هو حتمـاَ أفضل مِن مَن توســل التـيار أو الحزب للوصول الى مكاســـب مـادية من جني أموال واقتنـاء عقـارات ومـا شـــابه.
واللبنـاني العـادي الذي صمد في قريته الجنوبية أثنـاء العدوان الإســـرائيلي الغـاشـــم واســـتشـــهد أو جرح، هو مقـاوم أكثر من الذين اســـتباحوا شــــوارع وأزقّة بيروت في 7 و 8 ايـار وحـاصروا وهـاجموا الجبل، وحموا من يخـالفون القـانون في التعليق على خطوط نقل الكهرباء الى اســـتباحة الأملاك العـامة حول مطار الرئيس الشـــهيد رفيق الحريري وفي منـاطق أخرى والأملاك الخـاصة في جرود جبيل.
واللبنـاني العـادي الذي اســـتشـــهد على الجبهة أو في بيته أو في الشـــارع أو خطف قي 13 تشـــرين الأول 1990 هو مقـاوم أكثر من من هرب أو هُرّب الى الســـفارة الفرنســـية ومن ثم الى المنفى الذهبي في فرنســـا. ولا أســـتبعد أن يكون هذا الحدث غطاء لتحـالف مع النظـام الســـوري بدا جلياً اليوم كان هدفه: أولاً، إدخـال الجيش الســـوري بعد حرب التحرير المزعومة وحرب الإلغـاء المشـــبوهة الى المنـاطق المســـيحية، وثـانياً العودة ســـنة 2005 للتخريب على ثورة الأرز. وكل الســـيناريوهـات معقولة خـصوصا إذا دخل فيهـا العـامل الســـوري و الإســـرائيلي (أليس كذلك؟)
ربّمـا أيضاُ اللبنـاني العـادي الذي صمد في وطنه رغم كل مـا عـانـاه من حروب عبثية، وانقطـاع كهربـاء وشـــح ميـاه وأجور متدنية، وندرة فرص العمل هو حقـاً ســـيد المقـاومين إذ انّه ثبت في هذه الظروف الســـيئة وفي ظلّ الهيمنة والتســـلط وســـوء الإدارة والفســـاد والســـرقات وانتهـاك القوانين والتعدّي على الملكيـات الخـاصة والعـامة واســـتبـاحة الطبيعة والإعتداء على الحريـات ولا يتنصّلن واحد منكم من المســـؤولية ولا ينأى عنهـا، فلقد تنكبتموهـا خلال العشـــرين ســـنة المـاضية شـــخصياً أو بواســـطة الحلفـاء.
وفي النهـاية لا بدّ من التذكير أنه لو أعطينـا مبـالغ مـالية ضخمة، أو ترســانة أســـلحة الى قديس أو مجموعة قديســـين فنكون قد حرمنـاهم حتماً نعمة الوصول الى الجنّة.