كتبت منال زعيتر في صحيفة "اللواء": المفارقة الغريبة التي تتميز بها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عن باقي الحكومات السابقة أنها تشكلت تحت وطأة ضغوط داخلية وخارجية بعيداً عن تسويات بين الدول العربية والأجنبية التي تدخلت في السابق بتشكيل الحكومات، واللافت أيضا أن هذه الحكومة اختزلت مكونات المجتمع اللبناني والعربي المنقسم سياسياً تحت رايتها بما أمّن لها غطاءً قوياً كافياً لكي تتجاوز العقبات التي وضعت في طريقها منذ البداية، ولكن ما لم يكن في الحسبان أن تشّكل هذه الحكومة من حيث يدري البعض أو لا يدري امتداداً لنهج سابق في تصريف الأزمات ونقلها من مرحلة إلى أخرى وفق مقتضيات أصحاب الشأن، ومن هنا برزت مشكلة الكهرباء كأول المقبّلات على الطاولة الوزارية والتي لا يستذوقها إلا بعض الأفرقاء ولا تناسب مكوناتها حجم البعض الآخر، ولذا فإن أقل ما يقال عن أزمة الكهرباء حسب العالمين بكواليسها أنها أسقطت الأقنعة وكشفت التوجهات السياسية لكل فريق على حدة، كما أنها غيرت في الحسابات السياسية لمعظم المشاركين في هذه الحكومة، ومن كان يبني آمالا على أن هناك تغييرا طرأ في طريقة مقاربة ومعالجة المواضيع الخلافية اكتشف بأن الصفقات لن تمرر إلا من تحت الطاولة وأن هناك <خط رجعة> يعوّل عليه الجميع عند الدخول في التفاصيل، ومن هنا فإن ما بدا للبعض سهل ممتنع في ممارسة حكومة ميقاتي لدورها الفعال ولنهجها الوطني والعملي هو في الحقيقة مثل <حصان طروادة <لن ينجو منه إلا الذين يقفون على الحياد الإيجابي ولا ينخرطون كلياً في اللعبة الحكومية التي يبدو من الصعوبة أنها سوف تستطيع تجاوز المطبات المعدة مسبقاً لها دون أن يعني ذلك سقوطها.
وبمعزل عن تحميل أزمة الكهرباء وخلفياتها وحساباتها لفريق دون آخر فإن حكومة ميقاتي تدفع جدياً ثمن أخطاء الآخرين ومن الواجب الإعتراف بأنها قد تكون الحكومة الوحيدة التي ألقي على عاتقها مسؤوليات تتطلب نهجاً دبلوماسياً رفيع المستوى وحنكة سياسية لا يملكها إلا بعض الأفرقاء ممن يعدون على اصابع اليد الواحدة، وانطلاقا من هذه المقاربة فإن هذه الأزمة ليست إلا "غمامة صيف" في الوقت الراهن ولكنها تشكل إنذاراً مبكراً لما سوف يحمله المستقبل القريب من تحديات جسام ليس على الصعيد الداخلي فقط بل على كافة الصعد الإقليمية والدولية، وعلى الرغم من يقين الجميع دون استثناء بأن إسقاط هذه الحكومة يعدّ من "المحرمات" في القاموس السياسي اللبناني والإقليمي ولا يمكن أن يتم بالسهولة التي تحلم بها المعارضة إلا أن أزمات متلاحقة على قياس الكهرباء سيفسح المجال أمام "المصطادين في الماء العكر" داخلياً وخارجياً ليس لاسقاطها بل لإضعاف تكتل التغيير والإصلاح وزيادة الضغط على الرئيس ميقاتي والتضييق عليه وتطويق "عون- ميقاتي" شعبياً تحضيراً للإنتخابات النيابية القادمة، كما لإستمالة النائب وليد جنبلاط لإعادته إلى صفوف المعارضة.
وفي ظل الضبابية التي تحيط بنتائج المشاورات التي أجريت لتأمين عبور ملف الكهرباء في الجلسة المقبلة للحكومة الى حيز الإقرار والتطبيق فإن هناك من يشكك بإمكانية تمرير هذا الملف في جلسة السابع من أيلول مما يعني حكماً تأجيل الملف لجلسات لاحقة دون أن يعني ذلك استقالة وزراء عون أو تأزم الوضع الحكومي.
ويؤكد وزير بارز لـ"اللواء" أنه تم تقديم شروحات وافية للأفرقاء حول كافة التساؤلات في ملف الكهرباء من ألفه الى يائه والقضية استوفت حقها من النقاش، مضيفاً بأن هناك نقاطاً تحتاج الى المزيد من البلورة سوف يتم حلها في الأيام المقبلة وبالتالي فإنه بات ضرورياً أن يتم التوصل إلى حل نهائي في الجلسة المقبلة للحكومة.
وفي السياق ذاته أكد وزير المهجرين علاء الدين ترو لـ"اللواء" أن الخلاف حول ملف الكهرباء ليس سياسياً وعندما تتذلل كافة الهواجس فحينها سيقر هذا الملف، مشيراُ إلى أن جبهة النضال الوطني قد أبلغت سابقاً رئيسي الجمهورية والحكومة وجهة نظرها حول هذا الملف وعلينا الآن أن ننتظر جواب الآخرين.
الجواب جاء من الوزير البارز، الذي أكد ما نقلته قناة "المنار" أمس الأول، من أن نقاطاً أربع من ملف الكهرباء قد تم التوافق عليها، مؤكداً أن وزير الطاقة جبران باسيل قبل بالتعديل بأن يجاز للحكومة وليس لوزير الطاقة الاشراف على الخطة، بما في ذلك طرق وآليات المراقبة، لافتاً إلى أن الجزء الأول من الخطة ممكن أن يموّل من خزينة الدولة فيما الأجزاء الثلاثة الأخرى قد تستفيد من الموازنة ومن الصناديق العربية، إذا لم يتوفر التمويل من الخارج وفقاً لعملية الاستثمار.