كتب بيار عطاالله في صحيفة "النهار": من لاسا الى القاع وكل أنحاء لبنان، عنوان واحد لموضوع واحد يختصر بـ"الشهوة الى السيطرة على الاراضي" وتالياً ضرب كل مقومات العيش المشترك وتدمير لبنان النموذج الذي فاخر به وحرص عليه الإمام المغيب موسى الصدر والبابا الراحل يوحنا بولس الثاني والمفتي الشهيد حسن خالد وكل من أراد خيراً للبنان.
وعندما يصل البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الى القاع في زيارته لمناطق العاصي والهرمل ورأس بعلبك سيجد عنواناً واحداً لمطالب الأهالي بالتمسك بالأرض والدفاع عنها والعمل على انمائها وتطبيق القانون، خصوصاً أن البلدة التي كانت مسرحاً لمقتلة كبيرة انتقاماً لحادثة لا ناقة لها فيها ولا جمل، لم يتركها أهلها نظير القرى والبلدات الأخرى، بل صمدوا فيها ولم يتركوها رغم كل الضيق الذي عانوه. لكن ما تواجهه اليوم ليس بالأمر السهل وقد تفوق نتائجه ما نجم عن مجزرة 1978 لأن للأمر صلة بفقدان دولة القانون وغيابها شبه التام عن تلك الانحاء مما يؤدي الى تغيير الوقائع الديموغرافية والسكانية والاقتصادية، وتالياً اقتلاع حضور المسيحيين هناك على رغم ان أهالي القاع وتلك الانحاء لا يعرفون الطائفية ولا المذهبية بكل ألوانها.
تبلغ مساحة اراضي القاع حوالى 176 كيلومتراً مربعاً وتصبح مع بلدة راس بعلبك حوالى 400 كيلومتر، وهي آخر بلدة لبنانية قبل الوصول الى الحدود السورية في تلك الناحية، وعلى رغم شح المياه وقطع إمداد نبع اللبوة عن البلدة خلال سنين طويلة، تدبر الأهالي أمرهم وتمكنوا من مواصلة حياتهم، خصوصاً في قطاع الاعمال الزراعية الذي يشكل مصدراً للرزق لعائلات كثيرة، وأكب القاعيون على الاستثمار في الاراضي المملوكة بالشيوع وغير المفرزة عقارياً (أي المملوكة بحصص ومحددة ومحررة)، وتدعى تلك الناحية من خراج القاع، "منطقة المشاريع"، وقد حفروا الآبار الارتوازية فيها وزرعوها. لكن طول مدة الحرب والتهجير، اضافة الى دخول بعض النافذين على المشهد القاعي واغداقهم الاموال لشراء الاراضي أدى الى إقدام بعض القاعيين وخصوصاً المقيمين منهم في بيروت على بيع حصصهم (التي تحتسب بالقيراط) لتقع تلك العقارات بين ايدي متنفذين كبار قاموا باستثمارها.
قرية للبدو المجنسين
يروي الأهالي ان الأمور استمرت على هذا المنوال طوال اعوام الحرب، لكن القاعيين أملوا خيراً بعد نهاية الأعمال العسكرية العام 1990 وبدء تطبيق "اتفاق الطائف"، واعتقدوا ان زمن عودة لدولة وسلطة القانون قد حان، لكن شيئاً من توقعاتهم لم يتحقق، وكيف للدولة أصلاً أن تعود الى تلك الناحية الحدودية البعيدة، في حين تعجز عن بسط سلطتها على زواريب بيروت؟ هكذا استمرت الاعتداءات على عقارات القاع بعد العام 1990، بل توسعت لتشمل أراضي جمهورية تابعة لبلدية القاع. وأبرز الاعتداءات تمثّل بوضع اليد على العقار رقم 6 في منطقة وادي الخنازير التي تحولت قرية للعرب الرحل المجنسين الذين اشادوا عليها ابنية ومجمعات سكنية ودور عبادة ومؤسسات أخرى. وفي الموازاة استمرت عمليات بيع الاراضي لدى كتاب العدل بموجب عقد بيع أو تنازل عن وضع اليد في الاراضي غير المفرزة والتي تشكل – للمصادفة – 80 في المئة من اراضي القاع.
يخبر القاعيون ان عمليات البناء العشوائي بدون رخص ولا حسيب او رقيب لم تلتزم أي معيار على رغم صدور المرسوم 4042 عن مجلس الوزراء خلال العام 2010، والذي أوقف كل اعمال البناء والاستصلاح، اضافة الى عملية تصنيف الاراضي ووضعها في اطار مخطط توجيهي عام كانت اقترحته بلدية القاع على التنظيم المدني، وطلبت فيه تصنيف خراجها مناطق زراعية وسكنية وخلافه. لكن القرار ذهب ادراج الرياح واستمر البناء على الاراضي المصنفة زراعية، واصبحت كل مطالبة بتطبيق القانون وقرارات التنظيم المدني سبباً لتوجيه "اتهامات طائفية" الى القاعيين.
ولا يمر اسبوع من دون ان تشهد اراضي القاع بناء مشروع سكني مخالف لا للمخطط التوجيهي، فحسب بل للقانون. وأكثر ما اثار الاستغراب ان اصحاب البناء العشوائي، استحصلوا على رخصة من وزير التربية السابق حسن منيمنة لبناء مدرسة وسط تجمعاتهم السكنية المستحدثة مما يهدد مدرسة القاع الرسمية بالاقفال وكذلك مدرسة الراهبات النموذجية في البلدة، علماً أن ثمة مدرسة رسمية وسط الأبنية المخالفة تسمى "مدرسة المشاريع الرسمية".
يؤكد الأهالي أنهم توجهوا برسائل عدة في شأن ما يجري في القاع الى رؤساء الجمهورية والحكومات المتعاقبين ولم يحصلوا على نتيجة، لا بل ان كتاب العدل استمروا في صوغ الاتفاقات او عقود البيع غير القانونية، فيما الدولة عبر جهازها القضائي ساكنة لا تتحرك لتنفيذ المخطط التوجيهي. كما لم تتحرك الدولة لمواجهة الحفر العشوائية للآبار الارتوازية او لحماية الاهالي الذين لم يحصل قسم لا يستهان به منهم على تعويضات من وزارة المهجرين عن التهجير والتدمير الناجمين عن الحرب.