كتبت روزانا بومنصف في صحيفة "النهار": لقي الموقف الذي اعلنه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من باريس، على هامش مشاركته في المؤتمر الدولي حول ليبيا، لصحيفة "الحياة" صدى ايجابيا وترحيبا من الديبلوماسية الاميركية في بيروت. اذ ان السفيرة الاميركية مورا كونيللي قوّمت لـ" النهار" ايجابا ما قاله ميقاتي حول ثلاث نقاط: اولها اعلان رئيس الحكومة عزم حكومته "على تسديد مساهمتها في تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان"، وثانيها "رغبته في تحييد لبنان نفسه في هذا الظرف الدقيق" الذي تمر فيه سوريا وبعض الدول في المنطقة، الى جانب اعلانه ثالثا "التزام الشرعية الدولية خصوصا القرار 1701".
وهذا الموقف الاميركي الايجابي مبني على رغبة مسبقة في عدم رؤية لبنان يعاني من انعكاسات الوضع في سوريا نتيجة المواقف الدولية المتصاعدة على النظام وتزايد العقوبات الدولية عليه. ومع ان الديبلوماسية الاميركية في بيروت تنأى بنفسها عن اطلاق اي موقف يتصل بالوضع السوري باعتبار ان ما يتعلق بالوضع السوري يعلن من واشنطن او سواها من المحافل الدولية، فان تمايز الوضع اللبناني وعدم تماهيه مع الوضع السوري و"تحييد" نفسه، وفق ما اشار اليه الرئيس ميقاتي، شكل امرا جوهريا وضروريا لمصلحة لبنان ركزت عليه واشنطن قبل اشهر قليلة ولا تزال، اضافة الى ضرورة معالجة لبنان ما اعتبرته العاصمة الاميركية مواضيع حساسة فرضها الوضع المستجد في سوريا لجهة حماية المنشقين اللاجئين الى لبنان او تأمين لجوء مواطنين سوريين وتوفير المستلزمات الحياتية لهم. وهو امر حصل تقدم فيه وفق مصادر ديبلوماسية غربية، مشيرة في هذا الصدد الى ما تم تداوله عن خطف مواطنين سوريين اخيرا لاسباب مادية وامكان تحول ذلك الى مسألة بالغة السلبية على لبنان في حال صح ان خطف الاستونيين كان لاسباب مادية ايضا، مما يحتم على السلطة اللبنانية اخذ حذرها من تحول لبنان ساحة لمثل هذه الامور مجددا ومن الانعكاسات على صعد السياحة والاستثمار وسوى ذلك من الصعد الاخرى.
والمفارقة في الموقف الاميركي الذي كان اتخذ موقفا حذرا من تكوين الحكومة برئاسة ميقاتي، التي طغى عليها اللون السياسي الواحد في ظل ترقب لمواقفها من المحكمة والتزام القرارات المتعلقة بها فضلا عن ترقب مدى سيطرة "حزب الله" على قرارها، انه يجد ان الحكومة على ما يبدو لم تخطىء التصرف حتى الآن على الاقل في التعاطي مع القرار الاتهامي الذي صدر عن المحكمة الدولية ولم يتم رفضه، كما ان الحكومة تجاوبت مع طلب البحث عن المتهمين حتى الان وهو طلب يستمر قائما ايضا لشهر اضافي. كما لم تخطىء الحكومة التصرف وفق المصادر الديبلوماسية الغربية نفسها ازاء الموقف الدولي من سوريا الذي اعتمد في مجلس الامن وهو الموقف الذي انطوى على عدم وقف او تعطيل البيان الرئاسي الذي دان قمع الاحتجاجات الشعبية في سوريا وإن كان لبنان تحفظ لاحقا او ناى بنفسه على رغم ان لبنان قد يكون وفق هذه المصادر امام اختبار جديد آخر يتمثل في مشروع القرار المطروح امام مجلس الامن حول اتخاذ مواقف اكثر شدة من النظام السوري، كما ان الاختبار يبقى قائما في موضوع تمويل المحكمة لاحقا.
وهو موقف قد يبدو غريبا بالنسبة الى افرقاء في الحكومة يتهمون العاصمة الاميركية بانها تقف وراء المعارضة وتحضها على اسقاطها وبالنسبة الى افرقاء خارجها ايضا. لكن يبدو واضحا في ضوء هذا التشجيع الخطوط المتاحة امام الحكومة لان تكون مقبولة خارجيا ام لا.
وتؤكد كونيللي من جهتها "ان واشنطن لا تضغط على لبنان في اتجاه اعتماد موقف ضد النظام السوري او معه ولا في شأن اتخاذ اي خطوات تجاه سوريا مع فرض المزيد من العقوبات الاميركية والاوروبية على النظام هناك، كما انها لم تطلب من لبنان ذلك". وهي تنفي ما يتردد باستمرار عن خطوات واجراءات تعتزم واشنطن ان تتخذها ضد القطاع المصرفي اللبناني او بعض المصارف، "فهناك اجراءات اتخذت ضد البنك التجاري السوري اللبناني وهو امر ليس جديدا ويعود للعام 2005. اما اذا كانت الاجراءات التي اتخذتها واشنطن تؤثر على المصارف السورية فمن المحتمل ان تتأثر المصارف اللبنانية العاملة في سوريا ايضا ويفترض تقويم وضعها على هذا الاساس لكن لا استهداف من اي نوع للقطاع المصرفي او المصارف اللبنانية".
وعلى رغم المخاوف التي يبديها كثر من انعكاسات للوضع السوري على لبنان خصوصا ما يثار عن احتمالات تدهور الوضع جنوبا في ظل اعتقاد ان الضغط على النظام يمكن ان يؤدي الى الهروب الى امر من هذا القبيل، فإن كونيللي لا تستبعد اي احتمال باعتبار ان المنطقة تظل مفتوحة على التطورات المفاجئة "لكنها لا ترى مؤشرات عملية تدعم مثل هذه المخاوف راهنا، والافرقاء المعنيون بهذه الاحتمالات يظهرون ضبطا للاجواء التصعيدية على نحو ملموس". وهو الامر الذي لا ينسحب كليا على احتمال حصول تطورات داخلية امنية لبنانية تبعا للتطورات السورية او امتدادا لها وفق ما يسود الانطباع في لبنان على نطاق واسع في ضوء تجارب سابقة. اذ يبقى ان "هناك قلق حقيقي لا يمكن تجاهله ازاء مثل هذه الاحتمالات من حيث تأثير عدم الاستقرار السوري على لبنان".