قد يكون من المبكر او المهين، تجاوز الحديث عن ليبيا باتجاه سوريا، بالاخص ان طرابلس الغرب لم تزل مثخنة بعشرات آلاف القتلى من الليبيين، الذين اختاروا بغير ارادتهم ان يطأطئوا رؤوسهم للطاغية. لكن سُـنّة الحياة، وقطارها القاسي الذي لا يتوقف ولا يسير على سكّة ثابتة، تلزمنا مسارعة الخطى من جديد باتجاه سوريا.
سوريا التي اختار مجلسها الانتقالي برهان غليون رئيساً له، بعدما اختارت ليبيا بدورها مصطفى عبد الجليل رئيساً لمجلسها الانتقالي، وبين القاضي الليبي الاسلامي، والمجاهد في مكافحة الفساد حتى الاستقالة يوم دعت الاستقالة ومواجهة القذافي؛ وبين المجالد السوري الذي أقرّ يوماً ب"اغتيال العقل" العربي، وما يحققه هذا الاغتيال لحساب زعماء اللحظة والصدفة من خدمةٍ جلّى لاسرائيل؛ بين هذا وذاك، يلوح المشهد الآتي على العالم العربي.
مشهدٌ قد يكون اكثر سوريالية، واكثر انشداداً الى روح الثورة، وهدير شبابها، منه الى جسد الثورة وواقعها والنتائج.
ومشهدٌ قد يكون من المبكر استشراف ما بعده، ولكن من المتأخّر حتماً، عدم الخوف عليه؛ اذ ليس غريباً على العرب ان يتقاتلوا على فتات ما بعد الانتصار، ليتحوّل نصرهم الى استثمارٍ لمستثمرين، ويستحيل جهدُ مفكريهم وابطالهم الى ايدي التجّار.. في السياسة وفي المال معاً.
وفي عزّ الهرولة نحو الحرية، وهدير الانظمة المتساقطة امامها، كسفينة مثقوبة يزحف البحر اليها رويداً، وقائدها لا يقتنع بضرورة تركها، بل يتمسك بها كجشعٍ على رزق، امام حتمية الغرق. هكذا، وفي عزّ هذه الهرولة، يسعى حكّام زمن الانهيارات المحتوم، الى مواجهة التغيير عبر الاصرار على التمسك بالثقوب، وعبر الإكثار من روائح الدم.
تقدِّم الثورة لاجيالها الشابة صورةً عنها، اكثر صلابة في الحق وفي المبدأ، وفي النشاط والحركة الحرّة، وحتى في الحكمة والخبرة، وبرهان غليون ومصطفى عبد الجليل مثال على ذلك.
ويبدو، الى الآن على الاقل، ان إراقة الدماء ورائحة الموت، لم تُعمِ الشباب العربي عن حقائق المستقبل، وكأن هذا الشعب، قد تشرّب ختره ونضوجه من عمر الديكتاتور المديد، ليجمع بين الحذر في الاختيار، وبين القدرة على التغيير.
ما معناه، أن أسماء الفاسدين لن تكون اساسية ولا ركيزة، في البلد "القائم من الثورة"، ولا أسماء المستفيدين كذلك. وما معناه أيضاً، أنّ أسماء المفكرين والعلماء والقضاة الذين يصنعون مجداً للعرب جديداً، والذين هم، وهم وحدهم، يخيفون إسرائيل، سوف تصبح اسماؤهم اساساً لبناء الدولة الحديثة.
فلتحمِ ثورات أمّة العرب برهان غليون ومصطفى عبد الجليل من نفسها، قبل أي شيء آخر، حتى لاّ يصحّ فيها، ما قاله انطون سعاده يوماً، وتتحول من أمّةٍ ذكية انتجت وتنتج بعبقريتها حريتها، الى أمّةٍ غبيةٍ تقتل رجالها، كما تحطّم الاطفال لعبها، لتبكي من ثمّ، طالبةً غيرها!