كتب جورج علم في صحيفة "الجمهورية": تطرح أوساط لبنانية تساؤلات حول مصلحة فرنسا في إسقاط النظام في سوريا، وتأثير ذلك على مستقبل الأقليات، واستطرادا على الإستقرار في لبنان. ويعرف أصحاب هذه التساؤلات أن الرئيس نيكولا ساركوزي كان أول من بادر الى مد اليد الى الرئيس بشّار الأسد عندما كان نظامه يواجه عزلة دوليّة، ودعاه قبل سنوات للمشاركة في قمّة دول جوار المتوسط، تعزيزا للشراكة الأورو – متوسطيّة، وحضور العرض العسكري الكبير بمناسبة ذكرى العيد الوطني الفرنسي، ليكون بهذه المناسبة ضيف فرنسا المميّز، وها هو اليوم يتصدر قائمة رؤساء الدول الساعين بجديّة الى دعم الإنتفاضة السوريّة حتى إسقاط النظام، فماذا تغيّر؟، وما هي الأسباب والدوافع؟.
الملمّون بجوانب هذا الملف، يؤكدون على جملة حقائق أولها أن الرئيس ساركوزي شاء أن يغيّر في السياسة الخارجيّة تجاه سوريا، والتي كانت متبعة في عهد الرئيس جاك شيراك، وأن يستبدل النهج الذي كان متبعا بالمزيد من الإنفتاح والحوار لمعالجة الملفات العالقة، على أن يشمل الإنفتاح أيضا بعض رموز قوى 8 آذار.
وأراد أن يعطي الرئيس السوري الشاب فرصة للتعاطي بإيجابيّة مع المجتمع الدولي بدءا باحترام قرار مجلس الأمن الرقم 1559، والتقيد بتنفيذه، وفتح صفحة جديدة من العلاقات مع لبنان قائمة على الإحترام المتبادل، وتسهيل مهمّة المحكمة الدوليّة، والتعاون مع المجتمع الدولي لتنفيذ القرار 1701 بكامل مندرجاته، والإمتناع عن تسهيل عملية تسليح حزب الله، والتعاون مع الجهود الدبلوماسيّة الدوليّة لإطلاق مفاوضات سوريّة – إسرائيليّة بناءة تؤدي الى إتفاق سلام، والإقدام على تحقيق رزمة من الإصلاحات الداخليّة لتحديث النظام، وإطلاق الحريات العامة. وقد سمع من الرئيس السوري وعودا واستعدادات، لكنّها بقيت "زفيرا" في الهواء.
ومضت سنوات من الاختبار، حاول خلالها الرئيس ساركوزي تفعيل العلاقات الثنائيّة، ومساعدة سوريا على دخول نادي الشراكة الأوروبيّة – المتوسطيّة، والسعي لدى الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي لتخفيف العقوبات، لكن لم يلق بالمقابل إلاّ المزيد من التعنّت، إن في مقاربة الملف اللبناني، او في التعاطي مع القرارات الدوليّة، فضلا عن توغل النظام السوري بعيدا في تحالفاته مع إيران، وفي دعم قوى الرفض والممانعة كـ "حزب الله" في لبنان، و"حماس" في قطاع غزّة، وهذا ما زاد من ارتفاع جبل التراكمات بين باريس ودمشق.
وعندما هبّت رياح الإنتفاضة ضدّ النظام، كان ساركوزي أول رئيس أوروبي، يتبنى موقفا داعما، وكان جريئا في مطالبته النظام بالتجاوب، والإقدام على الإصلاحات، ووقف أساليب القمع، وتدرّج هذا الموقف الى حدّ مطالبة الرئيس الأسد بالتنحي.
وأثار هذه الموقف موجة من التساؤلات عند الغيارى على مصالح فرنسا، ذلك أن الرئيس ساركوزي ملّم بواقع سوريا وموقعها، وبقوّة النظام ودوره وتأثيره على الكثير من الملفات الإقليميّة. وهو العليم بالإستقرار الذي حققه هذا النظام داخل سوريا على مدى عقود أربعة، وما وفّره من فرص مؤاتية استفادت منها كلّ الأقليات التي عززّت حضورها وموقعها بعيدا عن المضايقات، والضغوط، والحساسيات الطائفيّة والمذهبيّة.
ويدرك الرئيس الفرنسي أن العبث بالنظام، وقبل توفير البديل المضمون، يعني العبث باستقرار سوريا، وتعريض الأقليات الى مخاطر قد تلامس مصيرها ومستقبلها. ولأنه يعرف كلّ هذا، ويدرك حجم الأخطار المحدقة بالأقليات، وبلبنان كوطن الأقليات، قرر توسيع دائرة الحوار ليس مع المعارضة السوريّة فقط، بل مع الفعاليات اللبنانية، رسميّة وقياديّة، بهدف البحث عن أنجع السبل الكفيلة بحماية السلم الأهلي، خصوصا إذا ما اندفعت الأحداث في سوريا نحو الأدهى، واتخذت طابعا فئويّا، مذهبيّا، طائفيّا.
ويؤكد الملمّون بالملف اللبناني – الفرنسي أن هذه المخاوف شكّلت دافعا رئيسيّا عند الرئيس ساركوزي للإنفتاح على الحكومة المقياتيّة رغم العزلة الدوليّة الخانقة التي تعاني منها نتيجة مواقف بعض أطرافها الرافضة للمحكمة الدوليّة، والمصرّة على عدم التجاوب مع قرارها الإتهامي.
إن دعوة الرئيس ميقاتي الى باريس للمشاركة في المؤتمر الدولي حول ليبيا، هي البداية، والخطوة الأولى في مسافة الألف ميل لبدء حوار جدّي حول أنجع السبل لحماية لبنان من تداعيات الزلزال السوري، والتأكيد على دور فرنسا التاريخي الداعم لاستقلاله وسيادته وسلامة أراضيه، والحريص على هدوئه واستقراره ووحدته الوطنيّة، وإن الأنظار بدأت تتجه منذ الآن نحو الزيارة المرتقبة للبطريرك بشارة بطرس الراعي الى باريس حيث سيناقش مع الرئيس ساركوزي مصير ومستقبل المسيحييّن في الشرق.