كتبت صحيفة "اللواء": يواجه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي نوعان من المعارضة الاولى من تيار المستقبل وقوى الرابع عشر من آذار والاخرى من التيار الوطني الحر. وقد لا يقدّر الجانبان في هذه المرحلة اهمية وجود حكومة في لبنان توفر نوعا جيدا من الاستقرار هو بمثابة مكتسب وطني هام الى جانب استقرار سياسي افتقرت اليه الساحة اللبنانية على مدى السنوات السبع الماضية. وعلى الرغم من ذلك تجد المعارضة في موقع المحارب الذي يرفع كل انواع المتاريس السياسية في وجه الحكومة، وترى ان مكونا مهما في الحكومة في موقع المحارب ايضا وهو يرفع متاريس من نوع آخر على طريقته داخل الحكومة ولا يتوانى عن التلويح اما بالخروج من الحكومة او اللجوء الى الاعتكاف.
وعلى ضفتي هذه الازمة المزدوجة تسمع من هذا الفريق(14 آذار) الدعوات الموجهة الى رئيس الحكومة تحت عنوان ارحل وقدم استقالتك وواجه حزب الله والنتيجة في كل الاحوال واحدة. عبارات متعددة واضافات لها تطلق دائما، وهي وردت طيلة شهر رمضان المنصرم وخلال عطلة عيد الفطر ولا تزال تتردد حتى يومنا هذا.
وبغض النظر عن الحملة المنظمة التي تواكب مثل هذا الكلام عبر المواقع الالكترونية والتي ترد في قسم منها على شكل شتائم، بغض النظر عن ذلك، يبدو واضحا ان المعارضة اللبنانية تريد فعلا من الرئيس ميقاتي ان يرحل ويغادر رئاسة الحكومة. وبديهي القول انه يحق لاي جهة سياسية ان تتصرف وتدلي بدلوها كما تريد وترى، وذلك انطلاقا من الديمقراطية المطاطة في لبنان الضيقة تارة حتى الاثارة،والفضفاضة تارة اخرى. بديهي القول هنا انه يحق لأي كان ان يطالب في لبنان ما يرى. انما القضية الجدلية المطروحة اليوم ماذا بعد نجيب ميقاتي؟ والسؤال هنا لا يعني فريق المعارضة فحسب انما القوى الاخرى ايضا.
فبطبيعة الحال ووفقا للواقع الراهن للازمة السياسية التي نعيشها والتي لا ضوابط لها فانه يبدو من العقلاني القول انه لا حكومة بعد نجيب ميقاتي،وان الفراغ سيكون سيد مرحلة ما بعد. واذا كان قد تطلب من نجيب ميقاتي لتشكيل حكومته الحالية اكثر من خمسة اشهر فانه من المؤكد ان تشكيل اي حكومة اخرى في هذه الظروف سيتطلب اكثر من سنة وربما اكثر.
من هنا فان بعضا ممن يطالب الرئيس ميقاتي في كل وقت بالرحيل انما يدعو الى الفراغ سواء ايقن ذلك او لم يفعل. فبالاضافة الى الظروف اللبنانية التي توفر مثل هذه النتيجة، فان الاوضاع في المنطقة والعالم تعزز بدورها وجهة النظر القائلة بانه بعد ميقاتي الفراغ،خاصة ان الدول المؤثرة في صناعة القرار السياسي اللبناني منشغلة وتؤثر في هذا الوقت السياسي والميداني المشتعل، تؤثر الاستقرار للبنان على اساس الصيغة الحالية والتي تنعكس حالة امنية مقبولة بالنسبة لها.
كما ان القرار المتخذ ضمنا من قبل ابرز المؤثرين في لبنان وهي المملكة العربية السعودية يوحي بأن الحياد في هذه المرحلة ضروري سواء في لبنان او في اي دولة عربية اخرى بدء من سوريا مرورا باليمن والبحرين وليبيا. ففي كل هذه الدول تأثير مهم وفاعل للحياد السعودي داخليا بالنسبة للمملكة واقليميا بالنسبة لحضورها وهيبتها في المنطقة.
اذا… تعتبر دعوة الرئيس ميقاتي الى الرحيل بمثابة الدعوة الى الفراغ ضمنا،وفي لبنان واذا قلنا باحتمال اعتماد اللبنانيين على انفسهم فان ظروف مثل هذا الفراغ تزداد وتتفاقم خاصة ان الفرقاء في لبنان ليسوا مستعدين بعد للدخول في حوار يؤسس لشكل السلطة بعد هذه المرحلة ببعديها المحلي والاقليمي، كما ان الفرقاء في لبنان لا يبدون حماسة حتى لاطلاق حوار يضبط معايير السلوك الوطني العام في زمن الثورات العربية العابقة برائحة الدم والبارود معا.
وعليه فانه على المعارضة في لبنان التي تتبنى الدعوة لرحيل الميقاتي ان تحدد وجهة الحالة اللبنانية وما الاسس التي ستعتمد اذا استجاب ميقاتي لمثل هذه الدعوات. وقبل ذلك، على هذه القوى ان توضح ما اذا كانت تدعو لذلك لاحداث فراغ او انها تقوم بذلك من باب الضغط على الرئيس ميقاتي للرحيل فعلا افساحا في المجال امام عودة الرئيس سعد الحريري او حتى للرئيس فؤاد السنيورة الذي تعطيه كل استطلاعات الرأي الدولية الحظوظ الاوفر لهذ المهمة.
في كل الاحوال ووفق الحالة اللبنانية الراهنة،فان التوصل الى اي من الاحتمالات باستثناء الفراغ مستبعد بل ان الاوضاع تزداد تعقيدا مع اتساع رقعة الخلاف بين الاكثرية الجديدة وبين المعارضة، ومع اتساع رقعة الاختلاف بين الوسطيين والمعارضة على طريقة ادارة هذه المرحلة المتأزمة من تاريخ لبنان المعاصر. فالكتلة الوسطية في مجلس النواب ومعها رئيس الجمهورية على قناعة بان ادارة المرحلة تتطلب اداء محفوفا بالهدوء والحكمة التي تضمن استمرار الاستقرار السياسي والامني بعيدا عن الخلافات السياسية المازومة التي تعقد الامور، كما هي الحال اليوم على مستوى العلاقات بين المعارضة وحزب الله مثلا. وتسلم الكتلة الوسطية (رئيسا الجمهورية والحكومة والنائب جنبلاط ) بالمحكمة الدولية ومسالة العدالة والحقيقة وبالقرارات الدولية لا سيما الـ 1701 و بنمو لبنان الاقتصادي وحضوره العربي والتشدد في موضوع الحفاظ على الاستقرار الداخلي اليوم وغدا وعلى ذلك تعمل وهي لا تبدو ميالة لتغيير وجهتها التي تغير شكل الحكم في لبنان الآن.
وفي مقلب آخر من هذه الازمة،يبدو ان مثل الكلام الوارد آنفا لا يعني فريق المعارضة فحسب فثمة قوى موجودة في الحكومة تبدو بدورها كمن يسعى الى فراغ لان النتيجة واحدة، مع اضافة بسيطة مفادها ان هذا الفريق خاسر في النتيجة حتما على اعتبار انه غير قادر على العودة الى اي حكومة بمثل التمثيل الذي يحظى به اليوم وذلك لاعتبارات عدة ابرزها ان اي حكومة جديدة (وبالاضافة الى انعدام حظوظ تاليفها) لن تكون قائمة على الاطلاق على اساس حضور هذا الفريق وحده حيث المجال سيكون مفتوحا امام المستقلين والوسطيين وحتى امام قوى اخرى ربما في قوى الرابع عشر من آذار. ومن هنا فان التلويح بالخروج من الحكومة عليها يشبه هنا في هذه الحالة الدعوة الى استقالة رئيس الحكومة وصولا الى الفراغ بل ان تداعياته على الساعين اليه اكبر وقد تؤدي الى خسائر ذات صلة بحجم التمثيل الوزاري والاكثرية الوزارية المسيحية.
وماذا عن موقف رئاسة الحكومة من هذ الامر؟
تقول مصادر مطلعة ان رئيس الحكومة يسمع بالفعل ما يقال ولا تقف الامور عند دعوته الى الرحيل بل هو يسمع ما هو ابلغ من ذلك بالمعنى السياسي والشعبي اضافة الى القول بانه خرج من قوى الرابع عشر من آذار على الرغم من انه لم يكن يوما قط لا من هذه القوى ولا حتى من قوى الثامن من آذار، الا انه لن يدخل في سجال مع احد وسيعتمد الصمت المقرون بالعمل كرد بليغ على الانتقادات،وهو لا يحمل الضغينة لاي جهة ويتجنب الحديث عن مرحلة ما بعده على اساس ان الصلاة تقام على الحاضر، وهو ليس على سفر ولا على عجلة من امره وبالتالي فان الحكومة مستمرة طالما المقومات الدستورية متوفرة وداعمة لذلك،وهو يشعر بكثير من الرضى النفسي وهو مرتاح الضمير ومستعد لاكمال مهمته التي ارتضاها لا ليرضي لا حزب الله ولا اي حزب آخر،فهو على قناعة انه حمل كرة النار هذه للقيام بدور مطلوب منه في هذه المرحلة ونقل لبنان مجددا الى بر آمن جديد، والا فماذا يعني ان يبقى لبنان وسط هذا البحر الهائج داخليا وهذا الخلاف الحاد على طريقة الامساك بدفة الحكم في لبنان؟. ولعل الرئيس ميقاتي يرى ان الحل الاجدى هو بالعمل على ما يؤدي الى انتاجية مقبولة للحكم واحياء الحوار المجدي خارج مجلس الوزراء ثم داخل المؤسسة الدستورية بما لا يعطل البلد وبما لا يعطل عمل الحكومة ايضا.
قي المقابل تعتبر مصادر ميقاتي ان جانبا مما يطلق من مواقف الآن هو استباق سلبي متكرر للامور مع التذكير مثلا بان المواقف الاستباقية تتكرر شكلا ومضمونا في مناسبات عدة،فمع التكليف قيل ان التأليف محال ثم جاءت النتيجة خلافا لذلك،ثم قيل بعدها ان ثمة موقفا سلبيا من المجتمع الدولي من الرئيس ميقاتي ثم جاءت المواقف المعلنة من قبل كبار مسؤولي الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي وعدد من الدول الغربية والاوروبية لتقول العكس،ثم مع دخول مرحلة الثقة تردد كلام كثير وقالوا بعده ان الحكومة قصيرة العمر، واليوم يقولون بما يشبه ذلك فيما السعي هو لمعالجة كل الامور في البلد قدر الامكان ووفق الظروف المتاحة مع التشديد مجددا على الاولويات عدالة ومحكمة وتنفيذ القرار 1701 وتحقيق نمو اقتصادي في البلد والحفاظ على الدور اللبناني العربي المحوري.
اذا مجددا وفي مواكبة جملة استحقاقات هامة ثمة سباق بين الاستباقية والتوتر، والانطباعان لا يخدمان قضية الاستقرار في لبنان والثابت الوحيد ان الحكومة الميقاتية مستمرة وهي مؤمنة بالاولويات اللبنانية ولو رفضت الزامها بانتهاج السبل الكفيلة بتحقيق المكتسبات السيادية لان العبرة في النتائج دائما لا في الدخول في الحيثيات والتفاصيل او اعتماد التأزيم.