كتبت منال زعيتر في صحيفة "اللواء": إذا كانت ممارسة النهج الديمقراطي تجيز حرية التعبير عن الرأي في القضايا السياسية والإجتماعية إلا أن المساس بالمسلمات يعدّ خرقاً فاضحاً للمواثيق الوطنية في كل البلدان فكيف إذا جرى ذلك في بلد مثل لبنان فيه من الإنقسامات السياسية وتاريخ الحروب الأهلية والصراعات المذهبية والطائفية ما يفرض على الجميع دون استثناء ممارسة دورهم السياسي بمسؤولية بعيداً عن الكيدية، ولذلك وبمعزل عن التبريرات والأعذار فإن تطاول نائب من الأمة لأي فريق سياسي انتمى على المؤسسة العسكرية ليس جائزاً ولا مقبولاً نظراً إلى أن هذه المؤسسة قدمت الكثير من التضحيات وجمعت تحت رايتها اللبنانيين من كل الطوائف والتيارات السياسية وأبعدت شبح الحرب الأهلية عن لبنان في أكثر من مناسبة أقله منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 2005 حتى وقتنا الراهن.
ورغم أن جميع التيارات السياسية تقرّ بأنه لا مصلحة لأي لبناني في إدخال الجيش في السجالات والانقسامات الدائرة بين المعارضة والموالاة إلا أن المواقف الأخيرة لعضو "كتلة المستقبل النيابية" النائب خالد الضاهر طرحت أكثر من علامة استفهام حول طريقة التعاطي السياسي للبعض في مقاربة القضايا الخلافية وحول إمكانية أن يمارس الساسة اللبنانيون معارضتهم بالوعي الكافي لدرء أخطار الفتنة وحماية هذه المؤسسة الجامعة التي لا تزال تشكل النواة السليمة للوحدة الوطنية كما أنها المؤسسة الوحيدة التي لم تتأثر بالخلافات السياسية وبقيت تمارس دورها دون ازدواجية من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب.
وما بين انقسام الرأي العام اللبناني في هذه القضية بين مطالبين برفع الحصانة عن النائب الضاهر ومعاقبته على مواقفه أو تمرير القضية لأن هذا الكلام لم يكن موجهاً ضد الجيش بل ضد بعض الأفراد في هذه المؤسسة، جدّد وزير الدفاع الوطني فايز غصن لـ"اللواء" التأكيد على وجوب تحييد الجيش عن أي نزاعات او خلافات لأنه العامود الفقري لهذا الوطن، مستغرباً كيف يعمد البعض إلى مهاجمة المؤسسة العسكرية وهو يعلم علم اليقين أن كل اللبنانيين بمن فيهم "هو" بأمس الحاجة إلى هذه المؤسسة.
غصن الذي دعا "المتهجمين" إلى مراجعة مواقفهم وإعادة حساباتهم إذا كانوا فعلاً يهتمون بمصلحة لبنان كما يقولون، شدّد على أن مكانة الجيش وصلابته أقوى من أن تتأثر بكلام من هنا أو موقف من هناك لأنها ببساطة مستمدة من الشعب.
وفي السياق ذاته أشار مصدر سياسي مطّلع الى ان هناك إشكاليات حقيقية ترتبط بكيفية معالجة هذا الملف ومنها أن الإنقسام السياسي الحاصل في لبنان لا يحتمل حتماً المساس بالمؤسسة العسكرية تحت أي ذريعة ولكن رفع الحصانة عن الضاهر قد يفرض تداعيات سلبية على الوضع في الشارع نظراً الى حدة الانقسام الحاصل ونهج التعبئة المتبع لإذكاء نار الفتنة، وبالتالي فإن هذا ما يرتب نوعاً من التعاطي الدبلوماسي واتخاذ قرار مناسب يرضي الجميع لإحتواء التداعيات دون ان يتجاوز أي قرار حجم القضية الأساس، مستدركاً بالقول أن هذه المنهجية في مقاربة مواضيع من هذا النوع لا يمكن ان تسري دوماً حتى لا تصبح المؤسسة العسكرية مرمى سهام تصفية الخلافات الشخصية والسياسية.
وأكد المصدر عينه بأنه لا يمكن إضعاف الجيش ومهاجمته تحت أي ذريعة والجميع يعلم حجم المسؤولية الملقاة عليه ومنها أن الإسرائيلي يعد العدّة للإنقضاض على الثروة النفطية ناهيك عن محاولاته المتكررة لفتح مواجهات مع الجيش في المناطق الحدودية والتي أثبت خلالها جيشنا الوطني عن قدرة قوية في التصدي للعدو ومواجهته ببسالة رغم الإمكانيات القليلة المتوفرة لديه، يضاف الى ذلك حمايته للحدود اللبنانية المفتوحة على مصراعيها ومنع معظم التجاوزات من الداخل الى الخارج وبالعكس بما حفظ لبنان وأبعده عن لعبة المحاور، مضيفاً بأن هناك مؤامرات حقيقية تستهدف تفكيك مثلث "الجيش والشعب والمقاومة" تمهيداً لضرب السلم الأهلي ولذلك يجب عدم السماح للخارج بالاستثمار على مواقف البعض ضد المؤسسة العسكرية لتنفيذ مخططاته التقسيمية، ولكن الأهم يبقى بحسب المصدر المذكور في كيفية تدارك رئيسي الجمهورية ومجلس النواب لهذه "التجاوزات" بما يحفظ لمؤسسات الدولة هيبتها دون أن يشكل ذلك عنصراً نارياً إضافياً في الإنقسامات الحالية.