رغم التباين في القراءات المحلية لإطلالة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الدولية الأخيرة، فإن الثابت أن خطابه في فرنسا على هامش مؤتمر "أصدقاء ليبيا" أثار جدالاً اتّسم بالحدّة في صفوف حلفائه بالدرجة الأولى قبل معارضيه.
وارتدت إطلالته عبر المنبر الفرنسي طابعاً بالغ الأهمية كونها شكّلت محطّة لتوجيه الرسائل، وبالجملة، إلى كل من يهمّه الأمر على الصعيدين العربي كما الدولي.
وإذا كانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عنوان خطاب الرئيس ميقاتي في الخارج، فإن كل ما حمله في طيّاته إرتدّ عليه بأكثر من نتيجة سلبية، على مستوى صعوبة التقيّد بكل ما أعلن لجهة التزام حكومته بالقرارات الدولية وفي مقدّمها القرار 1757، كما على مستوى إقناع فريقه الوزاري بصوابية التقيّد بالإرادة الدولية، وخصوصاً بالنسبة للتعاون مع المحكمة الدولية ماديّاً وقانونياً، وذلك في ضوء الحملة التي بدأ يتعرّض لها منذ الساعات الأولى على إعلان رسالته إلى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي حول احترام لبنان للشرعية الدولية.
وفي هذا السياق توقّعت أوساط سياسية أن تتحوّل إطلالة ميقاتي إلى قضية جدلية ستسعى قوى الأكثرية الحالية إلى استخدامها لتحقيق المزيد من الضغط عليه لحمله على الموافقة على سقف مطالبها المرتفع، وفي مقدّمها خطّة الكهرباء، أو "لغم" تعطيل الحكومة المعطَل حتى إشعار آخر.
ومن شأن تصعيد الجدل حول الأداء الحكومي ومقاربة القرارات الدولية أن يعطي نتيجة عكسية لما أراد منه الرئيس ميقاتي الذي كان هدف إلى تكريس صورة حكومته في الخارج وكأنها ليست حكومة اللون الواحد أو حكومة "حزب الله"، لكن سرعان ما وصله الردّ من بيروت من خلال تصريحات بعض الوزراء التي حملت إنتقاداً قاسياً لما وصفته تفرّداً في القرار والموقف من قضايا خارجية، وأكدت على ضرورة عودته إلى مجلس الوزراء قبل إعلان أي موقف، إلا إذا كان هذا الموقف يعبّر عن وجهة نظره الخاصة والشخصية، وخصوصا من قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
وقرأت الأوساط السياسية في تصعيد "الأكثرية" المتدرّج ضد محاولة الرئيس ميقاتي إخراج حكومته من عزلتها العربية والدولية، جواباً سريعاً ومباشراً على أي مقاربة محتملة لملف المحكمة الدولية أو أية ملفات أخرى مطروحة أمام مجلس الأمن كالملف السوري مثلاً، وتوجّهاً من قبل هذه الأكثرية لتوظيف هذه المحاولة "الميقاتية" لتمرير جملة قضايا تبدأ بخطّة الكهرباء ولا تنتهي عند الإنتقام من المعارضة فقط، مروراً بتحديد إطار معيّن لعمل وأداء الحكومة، ورسم خطوط حمر لرئيسها من غير المسموح له أن يتجاوزها مهما تعاظمت الضغوط العربية والدولية عليه.
وفي هذا المجال قلّلت الاوساط نفسها من تأثير الموقف الأخير للرئيس ميقاتي من المحكمة الدولية وتمويلها، معتبرة أنه في نهاية المطاف لن يتمكن أي فريق داخل الحكومة من تأمين غالبية لإقرار هذا التمويل سواء في مجلس الوزراء أو حتى في مجلس النواب، وبالتالي فإن ردّ وزير السياحة فادي عبود على هذا الموقف هو مؤشّر واضح على توجّهات الأطراف الأساسية في الحكومة، والتي تتعارض مع كلام ميقاتي في فرنسا.
لكن الاوساط نفسها لم تهمل الإشارة إلى أن هذه الحكومة باتت اليوم أمام أكثر من استحقاق ينذر بتعطيلها أو تفجيرها من الداخل في المرحلة المقبلة. كما كشفت أن الحجج التي قد تستخدمها الأكثرية للتصعيد في وجه الرئيس ميقاتي ليست قوية ومقنعة بدءاً بتمويل المحكمة التي بات الكل يدرك أنها تحوّلت إلى قضية دولية أكثر مما هي لبنانية بعد سقوط حكومة الرئيس سعد الحريري، وصولاً إلى خطّة الكهرباء التي باتت لغماً جاهزاً للإستخدام في حال تعارضت توجّهات رئيس الحكومة مع خيارات الأكثرية الحالية حول أي ملف محلّي أو دولي أو إقليمي.