إضافة إلى تصويرها خطوط الانقسام السياسي والطائفي، تعطي ملابسات محاكمة فايز كرم المدان بالتعامل مع إسرائيل، فكرة عن النظام السياسي والقضائي اللبناني.
ورغم أن العميد المتقاعد في الجيش قد حظي بمعاملة «تفضيلية» من قبل الأجهزة الأمنية التي لا تتورع عن اللجوء إلى إساءة معاملة المعتقلين لديها، فإن الجهة التي ينتمي كرم إليها وصلت في حملتها على القضاء وعلى فرع المعلومات حدود الابتذال والسفه، بعدما كان زعيم التيار المذكور شبّه كرم بـ «يهوذا الاسخريوطي».
لكن المحاكمة جرت في لبنان حيث لا قيمة لمؤسسة ولا لقانون. ولا قيمة لدليل في المحكمة طالما أن الوظيفة السياسية للتيار الذي ينتمي فايز كرم إلى حلقته القيادية، في تغطية «حزب الله» والدور السوري في لبنان، ما زالت قائمة. بل إن الحاجة إلى صوت مسيحي لبناني يدافع عن نظام دمشق في وجه السلفية التي تذر بقرنها في سورية قد ازدادت.
والغريب أن من يصنف نفسه معادياً لاسرائيل قابل الحكم بصمت مطبق بدل العمل على تمييزه أمام القضاء ورفعه من سنتين إلى 15 سنة. ومعلوم أن النائب ميشال عون أدى وتياره دوراً كبير الأهمية أثناء حرب تموز (يوليو) 2006، من وجهة نظر «حزب الله»، ثم أدى مهمات المتحدث الصريح بمضمرات لم يكن الحزب ليجرؤ على قولها لحسابات مذهبية وجهوية. والآن يسدد «حزب الله» دفعة من حساب سابق، ولا بأس إذا جاءت هذه الدفعة من رصيد «المقاومة». لكن الحزب وأمينه العام لا ينتبهان إلى أن الرصيد هذا يقترب من الفراغ، على المستوى اللبناني (خارج إطار الطائفة الشيعية المعرضة إلى موجات متصاعدة من الترهيب والتضليل) وعلى المستوى العربي، بعد التأييد الذي لا يفتأ السيد حسن نصر الله يكرره في كل مناسبة للحكم في سورية المندفع في أعمال القتل لمواطنيه والسعي إلى إضرام النار في حرب أهلية، وذلك في واحد من أعمق الأخطاء الاستراتيجية في تاريخ الحزب.
والساذج وحده من يقتنع بالحجج التي يسوقها وزراء التيار العوني ونوابه في الدفاع عن زميلهم المدان. هذا بغض النظر عن كل المآخذ على فرع المعلومات والأجهزة الأمنية والقضائية. والمسؤولون في التيار، الذين لا يعرفون للخجل أو للحياء معنى- على ما يبدو- هم من أعطى توقيف كرم، معنى سياسياً وزجوا بتيارهم «الوطني» في معمعة التشكيك والتخوين برفضهم حصر المحاكمة بفرد اختار العمالة لإسرائيل طريقاً للترقي السياسي والمادي، بل حولوها معركة شاملة لا تخفى عن أنف رائحتها الطائفية النتنة.
ولا يتوقف تشنج التيار الوطني على مسألة فايز كرم، بل يمتد إلى مواضيع تتعلق بالعمل الحكومي والخدمات التي ترتبط بها مصالح ملايين اللبنانيين. فتصبح، في رأي التيار، أي دعوة إلى مناقشة خطة توفير الطاقة الكهربائية، التي وضعها الوزير جبران باسيل، مؤامرة ترمي إلى تعميم الفساد وإبقاء الناس في الظلمات. وتتجدد أحابيل الوزراء الخصوم في الحكومة السابقة بأسماء وزراء يفترض انهم من حلفاء التيار…
يجري كل هذا في الوقت الذي يعرف قادة التيار الوطني الحر (ولا يعترفون) أنهم ليسوا أصحاب القرار في سياسات كبيرة يرسمها آخرون لهم. وأنهم اضعف من أن يزيحوا مديراً عاماً عن منصبه، أو أن يستعيدوا منصباً رسمياً للمسيحيين، إذا رأى محرك الدمى ضرورة لذلك. وتجربة «استعادة» منصب المدير العام للأمن العام غنية بالدلالات.
بيد أن هذا الكلام لن يبلغ آذاناً أصمّها التوتر والغضب.