#dfp #adsense

إعادة حسابات وتموضع الأطراف في السلطة تُضعِف المسيرة الحكومية وتهدّد استمرارها

حجم الخط

عدم الإنسجام السياسي بين مكوّناتها وتداعيات الإنتفاضة السورية تعصف بالحكومة من كل إتجاه
إعادة حسابات وتموضع الأطراف في السلطة تُضعِف المسيرة الحكومية وتهدّد استمرارها
"يلاحظ بوضوح أن الحكومة تُمضي معظم وقتها باسترضاء بعض أطرافها لمنع الإهتزازات المتواصلة من فرط عقدها المتآكل"

يرى سياسي مخضرم أن التباين الحاد والاختلاف المتواصل بين أطراف حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، منذ التحضير لتشكيلها وحتى اليوم، مردّه إلى أمرين أساسيين، الأول يتعلق بعدم الانسجام بين مكوّناتها ولو في الحدود المعقولة والمقبولة في التوجهات والقناعات السياسية، لا سيما وأن تشكيل الحكومة الحالية، لم يتم في أجواء ديمقراطية طبيعية كما هو مطلوب في الحالات العادية، بل فُرضت عملية تشكيلها فرضاً بقوة الترهيب والترغيب كما هو معلوم بموجب قرار إتخذه النظام السوري بالتفاهم مع إيران، وتولى <حزب الله> تنفيذه عملياً على الأرض بقوة سلاح <المقاومة>، لإرساء معادلة سياسية جديدة مغايرة لنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، التي أفرزت أكثرية عبر صناديق الاقتراع وليس بقوة السلاح التي تتحكم بقرارات ومقدرات الحكومة الحالية خلافاً لكل مقولات وادّعاءات رئيسها أو الأطراف الأخرى المشاركة فيها·

ولذلك، يلاحظ بوضوح أنه منذ تشكيل الحكومة الحالية لم تنتظم علاقات الأطراف المشاركين فيها ولو في الحد الأدنى، بل استمرت مسيرتها حتى اليوم مترجرجة وحتى متدهورة في لغة التخاطب السياسي بين أعضائها وفي أحيان كثيرة يتردى الخطاب المتبادل إلى مستوى عدم اللياقة أو قلّة الأدب السياسي، فيما يُفترض أن يتعالى هؤلاء الأطراف السياسيون أو بعضهم عن طموحاتهم الشخصية والفئوية ويتجاوزوا خلافاتهم وحساسيتهم، لإعطاء انطباع شكلي على الأقل للرأي العام، لتسهيل عمل الحكومة وتمكينها من الانطلاق بأقل قدر من الصعوبات، لتسيير بعض الأمور والمطالب الحياتية والاجتماعية الملحّة التي تضغط على اللبنانيين بقوة بفعل تزايد اعباء تكاليف المعيشة ومتطلباتها وتردي حالة الاقتصاد الوطني منذ إسقاط حكومة الوحدة الوطنية في نهاية العام الماضي والبدء بمشاورات تشكيل الحكومة الحالية وحتى اليوم، لانعدام ثقة الناس اساساً بالاطراف الاساسيين المشاركين في الحكومة الحالية والقائمين على مقدراتها ولا سيما <حزب الله> الذي يحفل سجله السوداوي بمآثر سلبية في تعطيل دورة الحياة العامة وتخريب اقتصاد البلاد وترهيب اللبنانيين والتعدي عليهم بالسلاح كما حدث في عدة تواريخ معروفة في السنوات الماضية، لانهم لا يشاطرونه مشروعه لابقاء لبنان ساحة تخدم مصالح النظام السوري وإيران على حساب مصالح لبنان العليا ومصلحة اللبنانيين·

ويلاحظ بوضوح ان الحكومة تمضي معظم وقتها ومنذ تشكيلها وحتى اليوم، باسترضاء بعض اطرافها حتى بالنسبة للأمور الثانوية العادية، لابقاء حالة الحكومة قائمة ومنع الاهتزازات المتواصلة من فرط عقدها المتآكل، في حين ان المسائل الاساسية والخلافية المطروحة على بساط البحث، إما ان يتم تمييع البت بها بمواقف ملتوية وعبارات تحتمل كل انواع التفسير كما يحصل في موضوع المحكمة الدولية تلافياً للانفجار من الداخل، بينما يتم التفاهم على بعض القضايا الاخرى المتعلقة بمطالب من هنا او هناك خلافاً للمنطق بالاعتماد على سياسة التنازلات والاسترضاءات خلافاً للمنطق والقوانين المعمول فيها في مثل هذه الحالات·

اما الامر الثاني الذي بات يضغط على الحكومة ككل في هذه المرحلة، فيعود الى تداعيات الانتفاضة الشعبية المتواصلة في سوريا منذ اكثر من خمسة اشهر على التوالي، من دون ظهور بوادر امل بإمكانية نجاح النظام السوري في إخماد هذه الانتفاضة قريباً، بل على عكس ذلك تماماً، ادى إرتباك النظام الى تفلت محدود لانتظام عمل الحكومة الميقاتية، وسعي معظم الاطراف الاساسيين المشاركين في الحكومة لاعادة حساباتهم من جراء ما يحدث، لا سيما ان بعض هذه الاطراف اصبح على قناعة تامة بأن استمرارية الحكومة الحالية محكومة بما يؤول اليه مصير النظام السوري ككل، وبالتالي لم يعد بالإمكان التغاضي عن هذا الواقع ولا بد من استغلال الوقت المتبقي من عمر الحكومة الذي لم يعد مضموناً من اي طرف كان مع استمرار تردي الاوضاع داخل سوريا، للاستئثار بأكبر قدر من المكاسب السياسية والمادية على حدٍ سواء، كما سعى لذلك وزراء التيار العوني بكل قدراتهم ومواقعهم للانقضاض على مبالغ مالية ضخمة من حسابات الخزينة اللبنانية بحجة حل مشكلة الكهرباء المستعصية التي تولى أكثر من وزير في التيار المذكور وحلفاؤه مسؤولية هذه الوزارة طوال السنوات الماضية ولم يترك أي بصمة إيجابية فيها، في حين يلاحظ أن رئيس الحكومة يحاول بمواقفه الأخيرة في باريس تطمين المجتمع الدولي بالايفاء بالتزامات لبنان تجاه القرارات الدولية وتوفير التمويل اللازم للمحكمة الدولية خلافاً لقناعات <حزب الله> وسياسته في هذا الخصوص، بينما كرّس النائب وليد جنبلاط موقعاً جديداً بين مكونات الحكومة وبين أطراف المعارضة لم يكن عليه في المرحلة الأولى من تشكيل الحكومة وقبل اندلاع الانتفاضة الشعبية في سوريا في ربيع العام الماضي· اما في ما يختص بحزب الله، فينكب على إعادة دراسة مستجدات الوضع السوري وتأثيراته على وضعية الحزب في الداخل اللبناني وعلى صعيد المنطقة ككل في المرحلة المقبلة، فيتساهل كثيراً لإبقاء أواصر الحكومة قائمة ويسترضي حلفاءه الى اقصد قدر ممكن على امل إبقاء عقد الحكومة مستمراً بما يخدم مصالحه ومخططاته التي ارسى تحالفاته السياسية على اساسها وعمل مع دمشق لمجيء الحكومة الحالية، ولكن بالطبع لم يحسب حساباً لما يحدث في سوريا حالياً وهو ما يعصف بقوة على وضعية الحكومة الحالية ويهدد بانفراط عقدها بالكامل، بعد أن أصبحت تعيش حالياً على <النفس الاصطناعي> الذي قد ينقطع في اي لحظة·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل