كتب محمد أبي سمرا في "النهار": بدأت تتواتر السجالات حول نظام الانتخابات النيابية المقبلة في سنة 2013. ودرجت العادة في لبنان ان تتبدل الأنظمة الانتخابية كل 4 سنوات، وخصوصاً في حقبة ما بعد الحرب التي عرفت ظواهر مستجدة طالت حجم الدوائر وكتل الناخبين وخياراتهم. وعلى رغم ان الحرب عطّلت الانتخابات طوال 15 سنة، يظل لبنان البلد الأعرق في ما يتعلق بالتمثيل البرلماني في محيطه. واسهاماً منها في تداول الرأي حول الانتخابات وانظمتها والمقارنة بينها، تستطلع "النهار" بعضاً من الآراء المتنوعة في هذا المجال، نستهلها بمقاربة للوزير السابق الدكتور طارق متري، يتناول فيها الظواهر والتحولات التي لابست خيارات الناخبين.
■ كانت الولاءات المحلية ركيزة الانتخابات النيابية في لبنان ما قبل الحرب التي عطّلت الانتخابات طوال 15 سنة، ثم تلاها تمثيل نيابي شبه صوري، مع استثناءات قليلة، في زمن الوصاية السورية التي عرف لبنان بعدها دورتين انتخابيتين ظهرت فيهما كتل جماهيرية كبرى متراصة… كيف تنظر الى هذه التحولات، وما هو أفقها؟
– في لبنان الاستقلال، كانت الانتخابات النيابية تنطوي على ما يمكن اعتباره "تجديد البيعة" لأقطاب ومقدمين من بيوتات وعائلات سياسية تتوارث النفوذ والوجاهة في الجماعات الاهلية ومناطقها. بعض من هذه العائلات واقطابها برز وتصدر في حقبة الانتداب الفرنسي. وبعضها يعود تصدرها الى زمن سابق في جبل لبنان وبيروت، خصوصاً. لكن الى جانب "تجديد البيعة" كانت الانتخابات تنطوي، في وجه من وجوهها، على اختبار أرساه الانتداب الفرنسي، ويتمثل في اختيار جماعات الناخبين ممثلين عنهم، للتلاقي والتعارف والتحاور في الندوة البرلمانية. واذا كانت الانتخابات قد انطوت على ما يشبه تنافساً سياسياً عابراً للجماعات الطائفية، في ايام التكتلين الكبيرين، "الكتلة الدستورية" و"الكتلة الوطنية"، فإن ذلك التنافس لم يؤدِ الى تجديد النخب السياسية، على النحو الذي يفترضه التنافس الفعلي في الانتخابات التي ظلت آلياتها تقليدية وقديمة. لكن علينا ألا ننسى بروز نوع جديد من النواب الذين وصلوا الى النيابة في الحقبة الاستقلالية، من طريق الخدمات المحدثة. كان هؤلاء غالباً من العاملين في المهن الحرة، كالمحامين والأطباء، الذين لم يصلوا الى الندوة البرلمانية لأن ناخبيهم اقتنعوا بصوابية توجهاتهم السياسية، أو لأنهم ابناء عائلات سياسية نافذة، بل لأنهم قدموا خدمات لجمهور الناخبين. وفي وجه من الوجوه، يمكن اعتبار هؤلاء النواب من النخب الجديدة. وكان هناك ايضاً نوع من الشخصيات التي تصل الى النيابة من طريق حيازتها شعبية سياسية في الشارع قِوامها معتقد سياسي ما، كالناصرية والكتائبية، مثلا. غير ان ملابسة السياسة للانتخابات في هذه المناحي، لم تنطو على حداثة سياسية فعلية لمعالجة المشكلات العامة في المجتمع والدولة.
ثم جاءت حقبة الحروب الطويلة التي عطّلت الانتخابات، وتلتها حقبة السيطرة السورية على لبنان، وما فرضته من مستجدات على التمثيل، فجرى تعيين الكثير من النواب.
فالوصي السوري اخذ يختار بين الطامحين الى الوجاهة والنيابة، او يعمل على تنصيب وجهاء ونواب جدد. وهذا أفرغ الانتخابات من مضمونها وقصرها على تكريس الاختيار او التنصيب. لكن انتخابات العام 2005 والعام 2009، كسرت هذه العملية. فعلى رغم تعدد خيارات المواطنين وتداخلها وتفاوتها وتدافعها في هاتين الدورتين الانتخابيتين، فإن المعيار او العامل السياسي اخترق هذه الخيارات بقوة لافتة، وخصوصاً في العام 2009، ومقارنة بأي انتخابات سابقة، حتى في ايام الكتلتين الدستورية والوطنية. هذا من دون أن ننسى حضور العصبيات الطائفية والخدمات والمال وأثرها في العملية الانتخابية التي تجلّى فيها الصراع السياسي بوضوح لافت. لكن هذا كله لا ينفصل قط عن فهم اللبنانيين للسياسة، بوصفها صراعاً على السلطة، يعوزه تصور متماسك لكيفية إدارة البلاد والدولة ورعاية مصالح الكتل الاجتماعية واحترام الدستور والقوانين. وهذه المسألة تتجاوز العملية الانتخابية الى طرح مشكلة السياسة وفهمها في لبنان. ذلك ان السياسة عندنا أقرب الى مشاجرة ونكايات قوامها ثنائية صدامية.
■ لكن كيف تنظر الى ظهور الكتل الجماهيرية الكبرى والمتراصة وتأثيرها في العملية الانتخابية في هاتين الدورتين الاخيرتين؟
– في السنوات السبع الاخيرة تضاءل في اختيار الناخبين تركيزهم على شخص النائب الذي يختارونه، او على شخصيته، وعلاقتهم الواضحة والمحددة به، لصالح اختيار وجهة او جهة سياسية ضد أخرى. هكذا برزت انتماءات عامة، كالعونية والاملية والقواتية والحريرية… الخ. هذه ظاهرة جديدة في الانتخابات النيابية، تجلّت ببروز كتل جماهيرية كبرى او واسعة، تخترق المناطق والدوائر الانتخابية. في الحقب السابقة كانت الكتل الانتخابية والنيابية صغيرة. والظاهرة الجديدة هذه تنطوي على تسييس حاد، لكنه تسييس يحفل بعوامل ما دون السياسة، كالعصبيات الاهلية والطائفية.
لكن المشكلة الحقيقية في الديموقراطية اللبنانية، ليست الطائفية وعصبياتها التي لا احد ينكر تناقضها مع الديموقراطية، بل هي مشكلة المواطنة التي يُفترض أنها تقوم على مواطنة الفرد. ففي لبنان غالباً ما يسلك الناخب ويتصرف بوصفه عضواً في جماعة عصبية، من دون ان يترك حيزاً لخياره الشخصي والفردي العقلاني، في الانتخابات وفي الحياة السياسية العامة، الى جانب انتمائه الى جماعة. فالمواطن في لبنان لا تقتصر الوساطة بينه وبين الدولة على انتمائه الطائفي، بل ان وعيه لنفسه وشخصيته ولدوره السياسي، لا يظهر ولا يتحقق إلا بوصفه عضواً في جماعة او في جمهور عريض، أو عائلة او منطقة. وهذا يتعارض مع الانظمة الديموقراطية الحديثة التي لا تقوم إلا على فكرة المواطن الفرد، وعلى خياراته الشخصية والعقلانية. في سويسرا مثلاً، توزع على الناخبين قبل كل دورة انتخابية كراسات تنصحهم بعدم الإقدام على الاقتراع قبل قراءة هذه الكراسات، لئلا يخطئون في خيارهم. والكراسات هذه تقدم معلومات موضوعية عن برامج المرشحين وآراء الأحزاب والقوى السياسية في الموضوعات والمشكلات المطروحة. والكراسات هذه تعدها الهيئات الادارية المحلية المستقلة التي تشرف على الانتخابات وتديرها، من دون ان تتضمن اي دعاية انتخابية لأي من المرشحين وأحزابهم. وهذا يفترض ان قِوام اختيار الناخبين هو الوعي الفردي والشخصي المستقل.
■ الأرجح أنه يصعب إجراء انتخابات من دون تدخل العلاقات العامة والشخصية والانتماءات الحزبية والجهوية للناخبين وكتلهم. لكن المشكلة في لبنان أن الانتماءات والولاءات غير قابلة للمناقشة والاختبار، بل هي معطاة سلفاً، ولا يقوم الناخبون الأفراد بمساءلتها والتفكير الشخصي فيها.
– يلعب الانتماء الثابت والمسبق للناخبين دوراً كبيراً في عملية اختيارهم في الانتخابات التي تبدو وكأنها عملية "تجديد بيعة". وهنالك مسألة أخرى ايضاً، وهي أن مادة التفكير في الخيارات محدودة جداً. فإذا تسنى لناخب ما أن يُعمل تفكيره الشخصي في اختيار هذا المرشح أو ذاك، فغالباً ما لا يقع على ما يخرجه من دائرة خيارات مسبقة وضيقة. والاعتبارات والعوامل التي تلعب دوراً في الخيارات محدودة. كأن يقول الناخب إن هذا المرشح من جماعتنا وذاك ضدنا. أو هذا المرشح استطاع الانتصار على ذاك في مساجلة تلفزيونية، وهو مفوه وتمكن من خصمه في المساجلة الكلامية. هذه الاعتبارات وأمثالها، لا تنشئ مادة للتفكير والمناقشة، بل مادة للمناكفة والنكايات. فالتعليقات التي أسمعها من مشاهدي برامج التوك شو التلفزيونية، غالباً ما تنصب على القول إن هذا المحاور "بطح" محاوره أمس وأفحمه، أو قضى عليه بالضربة القاضية. لكن نادراً ما يتطرق هذا المعلق أو ذاك الى موضوع السجال ومضمونه وسياقه، والى فكرة المناقشة الدائرة في الحوار التلفزيوني الذي لا يبقى منه في ذهن المشاهدين سوى إيحاءات وقدرة على المماحكة والمناكفة.
■ كأن اللبنانيين غادروا، في وجه عام، ولاءاتهم وانتماءاتهم وعصبياتهم البلدية والمحلية في زمن ما قبل الحرب، الى عصبيات وكتل جماهيرية كبرى ومرصوصة ما بعد الحرب، هل يمكن اعتبار هذه الظاهرة طوراً جديداً في عملية الانتخابات النيابية والبلدية؟
– لو أخذنا الانتخابات البلدية والاختيارية مثالاً في ما يتعلق بهذه الظاهرة، يتهيأ لي أن جمهور الناخبين لديه تنوع في عوامل الاختيار يفوق تنوع خياراته في الانتخابات النيابية. ذلك أن معايير الاختيار البلدي شديدة عوامل التنوع. ولو تسنى لدارسي الانتخابات النيابية التمعن في ظواهرها المستجدة ومقارنتها، يتهيأ لي أن الظاهرة الأبرز التي تستحق البحث والمعاينة والتدقيق، هي ظاهرة اقتداء الجماعات اللبنانية ببعضها البعض، ومحاكاة كل جماعة الأخرى. فما أن اصطفت الطائفة الشيعية وتوحدت في ثنائية "حزب الله" وحركة "أمل" كشريكين متلاحمين، حتى عملت الطوائف على الاقتداء بهذين الاصطفاف والتوحد، ومحاكاتهما، ولو من قبيل الاضطرار في وجه من الوجوه.
هكذا صرت تسمع جمهوراً واسعاً من المسيحيين مثلاً، يقول إن لدى الشيعة زعامة قوية وموحدة، وكذلك لدى السنّة، فلماذا لا يكون لنا نحن ايضاً زعامة قوية وموحدة؟! هذا التجانس والتكتل خلف زعامات موحدة يستحق دراسات معمقة لبيان أثره في الانتخابات النيابية. فالموارنة، مثلاً، يتباكون منذ نهايات الحرب الاهلية على فقدانهم زعامة واحدة موحدة، ويتذمرون من انقساماتهم، بدل أن يروا في الانقسام والتعدد في الزعامة وصراعاتها عاملاً ايجابياً يشير الى حداثة سياسية ما. والهوس العام في توحيد الصفوف توحيداً مرصوصاً، قد يكون مصدره محاكاة الجماعات الأخرى والاقتداء بها.
■ في هذه الحال ما هو دور العملية الانتخابية والتمثيل النيابي في لبنان اليوم؟
– على الرغم من هذه الظواهر كلها، تبقى الانتخابات النيابية والتمثيل النيابي السبيل الضروري الى السياسة والحياة السياسية. فهما اللذان يشكلان حاجزاً يحول دون تراجعنا الى العشائرية والقبائلية الساحقتين، ودون الاحتكام الى القوة العارية. ومهما كانت حال الانتخابات، فهي الطريق المؤدية الى تداول السلطة. والسلطة التي تنجم عن الانتخابات، تبقى اللاجم المتاح للقوة العارية وأهلها. وهذا ما عشناه في السنوات السبع الاخيرة، في لبنان الذي شهد ويشهد فائضاً هائلاً من القوة خارج السلطة الضعيفة الناجمة عن الانتخابات.