ساركوزي للراعي: لبنان يبقى أولوية لدينا

كتبت صحيفة "الجمهورية": درجت العادة أن تكون أوّل زيارة رسميّة للبطريرك الماروني بعد انتخابه الى العاصمة الفرنسية بعد روما، وهي تعكس إجمالا عمق الروابط التاريخية بين الطرفين، وفي معزل عن الجانب البروتوكولي، تكتسب زيارة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي إلى باريس أهمّية استثنائية في توقيتها وظروفها وأبعادها.

تقول أوساط قريبة من بكركي إنّ المنطقة العربية تشهد تحولات جذرية، والدولة الفرنسية تؤدّي دور رأس الحربة في دعم حركات التغيير في هذه المنطقة ضدّ الأنظمة الاستبدادية، فضلا عن دورها في مواجهة الدولة الإيرانية وملفّها النووي، ومن دون إغفال حرصها على القوات الفرنسية العاملة ضمن إطار قوات "اليونيفيل" بموجب القرار الرقم 1701، كما دعمها المطلق للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وتحوّل علاقتها أخيرا مع سوريا علاقة ثأرية نتيجة اعتبار باريس أنّ دمشق أخلّت بالتزاماتها معها بعدما كان لها الفضل الأساس بفكّ عزلتها الدوليّة.

هذا على مستوى الأولويّات الفرنسية، أمّا لجهة الأولويّات البطريركية، فالراعي، وَفق الأوساط نفسها، أعاد في فترة قصيرة زمنيا الملف المسيحي إلى صدارة اهتمامات بكركي من لقاء الأقطاب (وحدة الصفّ المسيحيّ) إلى زياراته الرعويّة (استنهاض المسيحيّين وتثبيتهم في أرضهم وتسليط الضوء على حراك سياسيّ مسيحيّ). وقد نجح في إطلاق هيئة حوار مسيحيّة في الوقت الذي لا تبدو فرص إحياء هيئة الحوار الوطني متوافرة. ومع إدراكه استحالة توحيد وجهات النظر المسيحيّة في ظلّ الانقسام العمودي في البلاد، غير أنّ هذا لم يمنعه من المبادرة إلى جمع فريقي النزاع ووضع جدول أعمال بأولويّة مسيحية-وطنية على قاعدة أنّ هذه اللقاءات تبقى أفضل من عدمها، إن على مستوى الهدنة الإعلامية أو لجهة البحث عن مساحات مشتركة لا بدّ من أن تثمر اتفاقا على بعض الملفّات التي تتراوح من الحضور المسيحيّ داخل الإدارة إلى تصور انتخابي مشترك. وتضيف الأوساط: لا يخفى على أحد أنّ الراعي عمل منذ انتخابه على تحييد بكركي عن الاصطفافات الداخلية، وقد بدت مواقفه "حمّالة وجوه" بقصد تحييد المسيحيّين عن المواجهات القائمة، ومن ذلك دعمه للمحكمة الدولية والعدالة ولكن مع اشتراطه عدم التسييس، ودعمه لحركة التغيير في العالم العربي نظرا لحاجة الناس الى الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، خصوصا أنهم يعيشون الحرمان في حياتهم ومن حقهم العيش بكرامة، ولكن مع إبداء مخاوفه من مؤدّيات هذه الثورات لجهة تساؤله عن اتجاهاتها، أي "هل تتّجه الى انظمة اكثر تشدّدا وتعسّفا؟ أم الى مشروع الشرق الاوسط الجديد"؟

تأسيسا على ما تقدّم، تعتبر الأوساط القريبة من بكركي، أنّ ثمّة اختلافا في الأجندات بين الرجلين، وهذا الاختلاف هو في الشكل لا المضمون، إذ إنّ وضع فرنسا يسمح لها بأن تكون رأس حربة في الملفّات المشار إليها، لأنّ مصالحها ليست معرضة وهي عملت المستحيل للنأي بقواتها عن أيّ هجوم، مهدّدة بسحب هذه القوّات في حال تعرّضها لأيّ عمل إرهابي، بينما وضع بكركي لا يسمح لها بأن تكون رأس حربة في هذا التوقيت بالذات، لأنّ "اللعبة" السياسيّة باتت أكبر من لبنان، وبالتالي الدور الذي لعبته الكنيسة إبّان عهد البطريرك صفير في كونها رأس حربة في الدفاع عن الدولة والجمهورية وثوابت المسيحيين الوطنية والتاريخية كان في محله وأكثر من ضروري، غير أنّ الثورات العربية فرضت دورا مغايرا، لأنّ المسيحيين في الدول العربية هم الحلقة الأضعف، خلافا لوضعهم في لبنان، ولا يجوز تحميلهم أكثر من طاقتهم وقدرتهم على الاحتمال.

وتؤكّد الأوساط أنّ سيّد بكركي يعلم جيّدا أنّ البيئة المسيحية تميل باستمرار للمواقف الواضحة والمبدئية التي لا تحتمل التأويل والالتباس، ولكن الظرف الحالي لا يتحمل هذا الترف في المواقف السياسيّة، خصوصا أنّ دور بكركي يختلف عن أدوار القيادات السياسية المسيحية، لأنه يترتب على مواقفها تداعيات تطاول المسيحيّين على امتداد العالم العربي، فضلا عن أنّ المكوّن المسيحي غير مؤثر في هذه الثورات، فلماذا توريطه وتعريضه في ظل النزف المسيحيّ المتواصل وتحويله "كبش محرقة" أو صندوق بريد في هذا الاتّجاه أو ذاك؟

وتلفت الأوساط إلى أنّ بكركي لم تسجّل أيّ موقف اعتراضي على ما يدلي به القادة المسيحيّون من مواقف مرحّبة أو معترضة على الثورات العربية، لا بل إنّها تحترم وتقدّر مواقف هؤلاء القادة، ولعلّ جلّ ما تطلبه منهم في هذه المرحلة هو تقدير الظرف الدقيق الذي تمرّ به المنطقة، وترك بكركي تعبّر على طريقتها، لأنّ المهمّ هو تقطيع هذه المرحلة الانتقاليّة بأقلّ الخسائر الممكنة لا الدخول في مواجهات لا طائل منها.

وتشير الأوساط إلى أنّ الراعي يحاول الموازنة بين تاريخ الكنيسة ودورها في المساهمة في إنشاء أول دولة ديمقراطية في الشرق، وبين الحفاظ على الوجود المسيحي في هذه المرحلة ليتمكن بعدها المسيحيّون من الاضطلاع بالدور المطلوب منهم.

لا شكّ في أنّ الزيارة الباريسيّة أعادت تعزيز دور المسيحيّين في الوصل مع الخارج وتأكيد الدور المسيحي التاريخي في هذا السياق، كذلك الحصول على تعهّدات من الإليزيه بضرورة استبعاد أيّ حلّ وطنيّ على حساب المسيحيّين في لبنان، في ظلّ الحديث عن اتفاقات وتسويات لا تأخذ في الاعتبار هواجس هذه الجماعة ومخاوفها. وتكشف الأوساط أنّ وجهات النظر كانت فعلا متطابقة، وأنّ ساركوزي تفهّم وجهة نظر الراعي، ووعده انطلاقا من إيمانه بالتعدّدية اللبنانيّة وحرصه على "لبنان الرسالة"، بأن يبقى لبنان أولويّة لدى فرنسا، وعدم السماح بأيّ صفقة على حساب هذا البلد النموذجي والمسيحيين فيه.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل