دعا البطريرك الماروني مار بشاره بطرس الراعي، الى "تعزيز فرص الحوار بروح المصالحة الوطنية الحقة"، مؤكدا انه "في الظروف الحالية، ليس بمقدور فئة لبنانية ان تلزم لبنان بمستقبل ما، وان الانقسامات الداخلية تجعل كل محاولة للتحدث باسم لبنان غير شرعية"، مشددا على انه من الضروري ان يتوافق اللبنانيون على تفاهم جديد، انطلاقا من الميثاق الوطني". ورأى انه في ظل الاحداث التي تبلبل الجغرافيا السياسية في بلدان الشرق الوسط، ينبغي ان نفهم جيدا التغيرات التي تهز المجتمعات في بلدان الشرق الاوسط، وان نقدر مدى تأثيرها ونحدد مخاطرها"، مؤكدا "ان استمرارية بقائنا في اوطاننا على ارض اجدادنا، واستقرار لبنان والشرق الاوسط والعالم العربي مرتبط بتلك الاوضاع". وقال: "نعم للتغيير، للديمقراطية، للحرية وللحداثة باحترام القيم، لكن لنكن حذرين من اي انحراف نحو التطرف او التفتيت، على قواعد دينية او عقائدية".
كلام البطريرك الراعي جاء خلال مأدبة عشاء اقامها رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرار لارشيه على شرفه والوفد المرافق .
وقال البطريرك الراعي: "فرحنا كبير بأن نكون بينكم في هذه الامسية، انا والوفد الذي يرافقني. وهي ايضا مناسبة حلوة باستقبالنا هنا في مجلس الشيوخ. ان هذا الموقع السامي في الجمهورية الفرنسية له عند الموارنة دلالة خاصة. ذلك يعود الى تاريخ مشترك في البداية، لان الكنيسة المجاورة، كانت المكان الاول الذي قام الموارنة فيه بتأدية العبادة في فرنسا بين سنة 1893 و1899. وايضا بفضل صداقة متينة لانكم يا حضرة الرئيس لارشيه، يا حضرات السيدات والسادة اعضاء المجلس، اعضاء في مجموعة الصداقة الفرنسية – اللبنانية، وانتم الحاضرون هنا جميعكم تمثلونها خير تمثيل".
أضاف: "ان هذا اللقاء يشد اواصر صداقتنا التاريخية ويدفعنا لان نقرأ سوية الاحداث التي تبلبل الجغرافيا السياسية في بلدان الشرق الوسط. ينبغي ان نفهم جيدا التغيرات التي تهز المجتمعات في تلك البلدان، وان نقدر مدى تأثيرها ونحدد مخاطرها، ان استمرارية بقائنا في اوطاننا على ارض اجدادنا، واستقرار لبنان والشرق الاوسط والعالم العربي مرتبط بتلك الاوضاع".
وتابع: "نعم للتغيير، للديمقراطية، للحرية وللحداثة باحترام القيم. لكن لنكن حذرين من اي انحراف نحو التطرف او التفتيت، على قواعد دينية او عقائدية. لهذا السبب، وعلى الصعيد اللبناني، ومنذ انتخابي لسدة البطريركية في آذار الفائت، اطلقت مقاربات جديدة لاعادة الفئات المتخاصمة الى الحوار والعقل. تنم هذه المقاربات عن معادلة تنطلق من الميول الى التغيير في المنطقة، دون ان تتنكر لقيمنا ومصالحنا الخاصة. ومنها: التنوع في الوحدة، العيش معا بمساواة في الحقوق والواجبات، احترام الاخر في اختلافه، كرامة جميع الاشخاص. كل محاولة تشجع العنف تعني فشل اللعبة الديموقراطية، على صعيد الفكر وايضا على صعيد المسؤولية والامانة للوطن والمواطنين. لهذه الغاية اخترت منذ انتخابي شعار: شركة ومحبة".
وقال: "اليوم، ونظرا للمناسبات الراهنة ادعو الى تعزيز فرص الحوار بروح المصالحة الوطنية الحقة، في الوقت الذي تخيم فيه المسائل الكبرى على مصير المنطقة، يحتاج اللبنانيون اكثر من اي وقت مضى، لان يستعيدوا دعامتهم المشتركة، ويلتزموا اكثر واكثر بالميثاق الوطني. ليتذكر الجميع ان "لبنان هو اكثر من بلد، انه رسالة ومثال"، كما سماه البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني: انه "رسالة ومثال" للتعايش بين المسيحيين والمسلمين. في الواقع "ان اناسا مختلفين على الصعيد الثقافي والديني، هم مدعوون للعيش معا على ارضه ليكونوا شعبا محاورا ومتعايشا، تتضافر جهوده من اجل الخير المشترك".(رجاء جديد للبنان عدد 119)".
وأكد البطريرك الراعي انه "في الظروف الحالية، ليس بمقدور فئة لبنانية ان تلزم لبنان بمستقبل ما، ان الانقسامات الداخلية تجعل كل محاولة للتحدث باسم لبنان غير شرعية. من الضروري ان يتوافق اللبنانيون على تفاهم جديد، انطلاقا من الميثاق الوطني".
وقال: "ايها الاصدقاء، ان الانحراف المذهبي لمؤسسات الدولة والانظمة السياسية الدينية تنخر في جسم مجتمعات الشرق الاوسط وتقلص قوانا الحية شيئا فشيئا. انها تناقض في الاساس العيش معا وكل تلاحم وطني. لا يمكن تجاوزها الا باقامة دولة مدنية، وبتحقيق امنية البابا يوحنا بولس الثاني بأن يكون "المسيحون والمسلمون في الشرق الاوسط مدعوين لان يبنوا معا مستقبلا من التعايش والمساهمة جميعا، من اجل التطور الانساني والخلقي لشعوبهم. بالاضافة الى ذلك ان التعاون بين المسيحيين والمسلمين في لبنان يمكن ان يساعد في ان تسلك بلدان اخرى السلوك ذاته"(رجاء جديد للبنان. عدد 93)".
واضاف: "هذا ما نسعى اليه. وهو علامة رجاء وامل تنتظرها شبيبتنا لتتمكن من ان تنمو وتنضج في مجتمعها. وهذا ايضا علاج للهجرة المستمرة، نتناوله بصورة غير معكوسة. وهو في النهاية ورشة عمل هامة جدا للسنوات المقبلة، وفيها ننتظر مساعدة فرنسا ونستقبلها بالترحاب. لتحيا فرنسا ويحيا لبنان وتحيا الصداقة الفرنسية اللبنانية".
وأقام السفير اللبناني في فرنسا بطرس عساكر حفل استقبال على شرف البطريرك الراعي في صالة ال "بافيون دوفين" شارك فيه حشد من ابناء الجالية اللبنانية في فرنسا النائب سيمون ابي رميا وممثلون عن الاحزاب السياسية اللبنانية في العاصمة الفرنسية، وفد المؤسسة المارونية للانتشار الذي يضم روزا انطوان الشويري، هيام البستاني، شارل الحاج وانطونيو عنداري ووفد الجامعة اللبنانية الثقافية في فرنسا، مدير مكتب طيران الشرق الاوسط في فرنسا ريمون خطار والوفد المرافق للبطريرك.
بعد النشيد الوطني، القى السفير عساكر كلمة قال فيها:" حضوركم بيننا شرف وبركة، مدعاة اعتزاز لدى اللبنانيين في فرنسا، في اولى اطلالاتكم الدولية الرسمية ومن باريس بالذات، كما يشاء العرف والتقليد المستمر منذ عقود".
أضاف: "تحملون لنا، يا غبطة البطريرك وبشخصكم مجد لبنان. تحملون لنا معاني الشركة والمحبة التي رافقتكم منذ طفولتكم وفي مسيرتكم الكهنوتية، ورفعتموها من ثم عنوانا وشعارا لحبريتكم على كرسي انطاكيا وسائر المشرق، كما جعلتموها نهجا في مقارباتكم للقضايا الكنسية وفي تعاطيكم الشأن الوطني".
وتابع: "من وحي شعاركم نقول معكم: ان لبنان يحيا بالحرية، وان الشركة والمحبة والاعتراف المتبادل هي جوهر ميثاق العيش المشترك بين اللبنانيين، وعصب نسيجهم الوطني وضامن مصيرهم الواحد. ونقول معكم ان مجد لبنان يعظم بتنوع عائلاته الروحية وبغناها، يعظم بوحدة ابنائه في تنوعهم، يعظم بتجردهم عن فئوياتهم الضيقة وانانياتهم وعن حزبياتهم المذهبية، يعظم بتوحدهم في المواطنية وبالتفاهم حول مؤسساتهم الدستورية وبانتمائهم اللبناني الصافي".
وقال: "ومن أبلغ دعواتكم للبنانيين: ان يتوقدوا كالنار للحفاظ على لبنان، وان يجعلوا منه حزبهم الاوحد، مذهبهم الاوحد، وطائفتهم الكبرى الجامعة. ان يجعلوا منه وطنا للحرية، وطنا للعدالة محصنا بالسيادة والاستقلال. عشتم سيدي مجدا لبكركي، مجدا للبنان".
ورد البطريرك الراعي بكلمة شكر فيها السفير عساكر على هذا اللقاء، متحدثا عن اللقاءات التي أجراها مع المسؤولين الفرنسيين وفي مقدمهم الرئيس ساركوزي، مشيرا الى ان الاحاديث كلها شددت على "ضرورة ان يبقى لبنان الوطن المنفتح على الشرق والغرب وعلى العيش المشترك فيه، هذه الفسيفساء التي ينظمها الدستور اللبناني والقضية اللبنانية والقيم الديموقراطية والحريات العامة وحقوق الانسان كلها نوع من صدى للثقافة والحضارة الفرنسية".
واضاف:"اشكركم على حضوركم معنا في هذا اللقاء، وانا اقول لكم لم يعط البطريرك الماروني مجد لبنان الا بسبب هذا الشعب الذي ثار على مدى كل التاريخ فاستحق ان يعطى لمن كان يقوده عبر التاريخ مجد لبنان، فانتم مجد لبنان عندما تحافظون على كل قيمنا وتقاليدنا وثقافتنا ورسالتنا اللبنانية، مجد لبنان في وحدتنا وفي المحافظة على رسالته ودوره في بيئته العربية وفي علاقته مع الاسرة الدولية، ومجد لبنان هو عندما نعيش ونتعاون جميعا مسيحيين ومسلمين في النهوض بلبنان، حيثما نكون نحن وانتم هنا في فرنسا في ما تحملون من قيم لبنانية، فأنتم سفراء لبنان على المستوى الشعبي والحياتي".
وتابع قائلا: "ان قوة البطريرك هي في الشعب اللبناني ليس فقط بقوة الموارنة على الاطلاق، فقوة البطريرك هي قوة كل اللبنانيين وهذا ما تبين منذ انتخابي بطريركا وقبلي ايضا، ولكن منذ انتخابي الى اليوم لم ار الا التفافا كبيرا لبنانيا، وهذا يعني ان هذا الشعب لا يجد نفسه الا بمن يعيش في قمم مجد تاريخ نحن اليوم مدعوون الى مواصلة كتابته".
وذكر البطريرك الراعي بما قاله البطريرك الراحل الياس الحويك الذي قاد الوفد اللبناني الى مؤتمر السلام في فرساي "طائفتي اسمها لبنان"، وقال: "نحن اليوم طائفتنا ومذهبنا هو لبنان وما الطوائف المسيحية والاسلامية سوى الفسيفساء التي تبني طائفة اسمها لبنان".
واستقبل البطريرك الراعي في مقر اقامته في فندق وشترن وفدا من الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم في العاصمة الفرنسية ضم ادمون عبد المسيح وانطوان منسى، في حضور المطارنة سمير مظلوم، بولس مطر، جورج أبو جودة والمونسنيور سعيد سعيد.
وافاد بيان صادر عن مكتب لبنان للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم ان الوفد رحب بغبطته ونقل له تحيات الرئيس العالمي للجامعة عيد الشدراوي، وأطلعه على أهداف ونشاطات الجامعة في فرنسا وتركيزها على تمتين اللحمة بين جميع الللبنانيين المغتربين، والإبقاء على التواصل الفعال مع الوطن الأم والإهتمام بقضاياه عبر مختلف أنواع النشاطات وأهمها الدعوة الدائمة لتسجيل الجيل الجديد من اللبنانيين المغتربين في القنصليات، والعمل على تنفيذ قانون إنتخاب المغتربين، وكذلك توحيد وضم الجمعيات اللبنانية المنتشرة على الأراضي الفرنسية، إضافة إلى البدء في مشروع تجمع الشباب ذوي الأصل اللبناني".
وتطرق الوفد مع البطريرك الراعي الى عدد من القضايا اللبنانية والعربية الراهنة. وقد هنأ غبطته الوفد على هذا النشاط الوطني المميز، وتمنى أن تتبنى الجامعة اللبنانية الثقافية دعوة رجال الأعمال إلى إنشاء المشاريع المختلفة في الوطن الأم، مما يحد من هجرة أبناء الأرياف إلى المدن أو إلى الخارج.
كما استقبل منسق المؤتمر الاوروبي الذي سيعقد في لبنان برعاية البطريرك الراعي لدعم مسيحيي الشرق المهندس مارون كرم ومسؤولة اوروبا في المؤتمر كاترين فيرلن اللذين اطلعاه على التحضيرات الجارية لعقد المؤتمر في جامعة الروح القدس الكسليك بين 17 و18 تشرين الثاني المقبل والذي سيحضره وسيرعاه ايضا رئيس السوق الاوروبية المشتركة افانويل باروزو.