#dfp #adsense

“بيئة حزب الله” و”قيادة حزب الله”: التمييز الصعب.. والضروري

حجم الخط

مخطئ في هذا البلد من يراهن على "بقاء الحال على ما هو عليه" من الآن وحتى إنتخابات 2013 النيابية. مخطىء أيضاً من يوهم نفسه بأنّ ثمة ما يضمن ومن الآن (!) حصول هذا الإستحقاق في موعده الدستوريّ. مخطىء أكثر من سواه من يعتقد أن المؤسسات الدستورية المتصدّعة يمكنها أن تكابر على نزيفها السياسيّ والمعنويّ ليس فقط عامين إضافيين، بل أشهراً إضافية!

والكلام هنا إذ يصح على التقديرات السياسية في الإتجاهات جميعها، إلا أنّه يطرح نفسه في الأساس على "الحزب المهيمن"، "حزب الله". فهذا الحزب لم يستطع في السنوات الماضية حسم الصراع اللبنانيّ السياسيّ والأهلي لصالح استتباب هيمنته الفئوية الشاملة على البلد، لا بخيار "الاستيلاء الملحميّ" على السلطة (حرب تمّوز ومقولة أن المقاومة المظفّرة تحكم) ولا بخيار "الإستيلاء التعبويّ" عليها (حصارُ العام ونصف العام للسرايا ووسط العاصمة)، لم يتمكن خيار "الإستيلاء على السلطة بالغزو المسلّح" من تجاوز محدوديته (7 أيّار)، وكانت خيبة خيار "الإستيلاء بالترتيب الإقليميّ" (مؤتمر الدوحة)، ثم انتكاسة خيار "الإستيلاء بصناديق الإقتراع" (انتخابات 9 حزيران).

في المقابل، انتزع الحزب مركز السلطة اللبنانية بـ"التسلّل" في لحظة إقليمية معيّنة، أعتقد أنّها مؤسّسة وظهر أنّها لحظة واصلة بين موجتين تغييريتين عظيمتين: أي لحظة ما بين الموجة الأولى من الربيع العربي (تونس، مصر) والموجة الثانية منه (ليبيا، سوريا). قام خيار "الاستيلاء بالتسلّل" على السلطة على افتراض ان الموجة الأولى من الربيع العربي لن تعقبها إلا موجة هيمنية ايرانية على منطقة الخليج، فجاءت الموجة الثانية لتبرز الطبيعة العميقة لهذا الربيع كثورة على "طواغيت التحرّر الوطنيّ" في الأساس، وبالتالي كثورة على طاغوت "الكتاب الأخضر" و"البعث"، وعلى محاولة تمدّد الهيمنة الطاغوتية لنظام الملالي في الدائرة العربية.

فهل يعتقد "حزب الله" أنّه إذ فشل في انتزاع السلطة بـ"الملحمة" أو بـ"الغزوات الداخلية" ناهيك عن "صناديق الإقتراع" يمكنه الفوز بها بالتسلّل، وجعلها هيمنة مستقرّة له بالإتكاء على "نجيب ميقاتي" من جهة، و"ميشال عون" من جهة ثانية، مع الإحتماء من تناقضات الواقع اللبنانيّ باللعب على التناقض الحكومي التلفزيوني بين ميقاتي وعون؟

أم يعتقد "حزب الله" أنّه حين لا يكاد يفارق لحظة توتّر في العلاقات الأهلية السنية الشيعية حتى يتسبّب في لحظة توتّر في العلاقات الأهلية المارونية الشيعية يكون بذلك ناظماً أو مسيطراً على التناقضات اللبنانيّة ومجيّرها لها إلى حسابه؟

أم يعتقد "حزب الله" أنّه بمستطاعه ليس فقط أن يضمن ولاء الأكثرية الأهلية داخل الطائفة الشيعية لقيادته في أي شرط وظرف، ويضمن فوق ذلك المستوى نفسه من الإقتناع والحماسة على هذا الصعيد؟
من كل هذه الأسئلة يهرب "حزب الله". وهو يهرب إلى طرح السؤال: لماذا يكرهوننا؟ يطرحه.. ولا يجيب عنه.. التفسير التآمري للتاريخ هو بدوره هرب من هذا السؤال "الضميريّ" الذي طرح في الأساس للهرب من أسئلة أكثر واقعية.

إجابات "حزب الله" عن هذا السؤال: إنّهم يكرهوننا لأننا كثرة وهم قلّة، وإنّهم يكرهوننا لأننا نقاوم وهم لا يقاومون، وإنّهم يكرهوننا لأن السلطة بيدنا وما عادت بيدهم.
ولا يغيب عن بال أحد أن إجابات كهذه لا تنفث إلا مزيداً من الكراهية، وتأتي على مفهوم "المقاومة" بالكامل، كما تطرح بحدّة سؤال المصير مجتمعياً وكيانياً.

إلا أنّ طرح سؤال "لماذا يكرهوننا؟" لا يعدم شيئاً من الصحّة. فالتناقض العميق، مجتمعياً وكيانياً، ليس بين "قوى 8 آذار" وبين "قوى 14 آذار"، إنّما هو بين "حزب الله" مأخوذها بمعناه الأشمل (أي بيئة حزب الله) وبين سائر مكونات المجتمع اللبناني الأخرى. في الوقت نفسه، فإنّ هذا التناقض العميق مع كامل "بيئة حزب الله" لا يمكن أن يترتب عليه تحميل المسؤولية لـ"مجرد عناصر شاردة أو غير منضبطة" داخل "حزب الله"، ولا تحميل المسؤولية لكامل "بيئة حزب الله"، وإنّما وبدرجة أساسية، شبه حصرية، لقيادة هذا الحزب، المسؤولة أكثر من سواها وبما لا يقاس، عن تخريب العلاقات الأهلية والسياسية إلى هذا الحد.

التمييز بين "بيئة حزب الله" وبين "قيادة حزب الله" صعب جداً، لكنه ضروريّ، وهو يزداد راهنية، هذا من دون نفي عمق التناقض المجتمعي الكياني مع "البيئة" ومع وجوب المحاذرة دوماً من كل تحميل للمسؤولية لهذه البيئة بالكامل عمّا ترتكبه قيادتها، رغم أنّها بيئة ما زالت توالي هذه القيادة، بصرف النظر عن معدّل "الإقتناع" ومعدّل "الحماسة".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل