#dfp #adsense

عملاً بقاعدة “كأن لم يكن”

حجم الخط

أخذ اللبنانيون علماً بأن "التغيير والاصلاح" يعنيان تخفيف العقوبة للمتهم المعترف بعمالته لاسرائيل، وضرورة تجاوز أصول العمل الحكومي لمنح الجنرال وصهره مشروعية للصفقة الكهربائية التي يعتزمانها. وهذا مجرّد عيّنة من الانحرافات العونية التي ستفاجئ الحلفاء قبل الخصوم، لأن "التيار" مدرك أنه أصبح رقماً صعباً في معادلة الضعف المتزايد لسوريا و"حزب الله"، ما يشجعه على فرض شروطه واسترهان الحكومة بين الشلل والسقوط.

المسألة لا تحتمل سوى فرضيتين اثنتين: إما ان العميد فايز كرم بريء أو أنه عميل. البراءة توجب اطلاق سراحه من دون تأخير وتعويضه الفترة التي أمضاها في الاعتقال ظلماً وتعسفاً. أما العمالة المثبتة فتوجب انزال عقوبة اشد من الحبس سنتين، خصوصاً لكونه عسكرياً سابقاً. يتساوى في ذلك، أمام أي قضاء نزيه، أن يكون من أقطاب التيار العوني أو لا يكون. لكن الحكم الصادر في حقه جاء مبهماً، إذ خفف التهمة او الاشتباه عنه، فإذا هذا الاشتباه يتلبس القضاء و"فرع المعلومات" نفسيهما، علماً بأنهما لم يواجها أي إشكال مشابه بالنسبة الى العملاء الآخرين. وتجدر الاشارة الى انهما مُنعا منعاً باتاً من مساءلة العملاء المنتمين الى "حزب الله"، باعتبارهم مثل المتهمين بالاغتيالات السياسية ينتمون الى الدويلة داخل الدولة. بديهي أن عملية ابتزاز واسعة اجتاحت كواليس المحاكمة وأملت هذا الحكم المخفف. تماماً كما كان يحصل أيام الوصاية السورية التي ورثها "حزب الله" ويعمل على تطبيقها بمثل ما عرف عنها من احتقار للمؤسسات ولعقول اللبنانيين. وعدا أن ما حصل يسخّف تهم العمالة للعدو، ولا يتوانى عن التمييز بين "عميل صديق" وعميل لا سند سياسياً له، فإنه يشي بعقلية "وصائية"، "تشبيحية" لا تنفك تثقل بكاهلها على هذه الحكومة لتقبل غير المقبول منذ الآن تمهيداً لقبول غير المعقول غداً حين تتوغّل الأزمة السورية في المستنقع الذي يندفع اليه النظام.

ثمة استنتاجان من مغامرة القضاء، ولو عسكرياً، مع حكمه غير المتناسب مع الجرم المثبت في قضية العميد كرم. أولهما، أنه لا يمكن التعويل على الحزب الحاكم، حزب المقاومة، ولا على حليفه مدعي "التغيير والاصلاح"، في تحقيق واحد من أكبر طموحات المجتمع اللبناني برفع اليد السياسية عن القضاء. والثاني، ان هذين الحزبين الشريكين في الحكم وفي الدأب على تهشيم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، قدما أخيراً حجة إضافية لكل من يشكّك بقدرة القضاء المحلي على إنصاف ضحايا الاغتيالات وذويهم وجميع اللبنانيين الذين فجعوا بفقدهم.

لكن تسخيف العمالة (واستطراداً تشريعها) وشخصنة برنامج حكومي لاعادة الكهرباء، ليسا شيئاً بالمقارنة مع ما يعد لاستحواذ "حزب الله" وايران، مع سوريا بنظامها المتساقط لكن المستمر شكلياً، على البلد وادخاله في الدوامة السورية مع تفاقم الأزمة في اقتتال أهلي مفتوح، واتضاح ان أفول الحليف الاستراتيجي يوجب على إيران انقاذ ما يمكن انقاذه في سوريا كما في لبنان. سيكون استحواذاً أمنياً وسياسياً يتصرّف بلبنان، دولة وحكومة وشعباً، "كأنه لم يكن" وفقاً للمقولة التي تطبّقها دمشق على ورطة نظامها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل