#dfp #adsense

عون خاف على نفسه من الاعترافات فتبنّى كرم!

حجم الخط

قراءة في صدقية تحقيقات "المعلومات" و"داتا" الاتصالات والحكم المخفف
عون خاف على نفسه من الاعترافات فتبنّى كرم!

لم يهضم جمهور "التيار الوطني الحر" حتى الآن الضربة المعنوية التي أصيب بها، جراء الحكم بإدانة القيادي في التيار فايز كرم، بعدما تعرض على مدى أشهر خلت إلى حملة تضليل واسعة من قبل قيادة التيار؛ صوّرت له كرم ضحية سياسية، فإذا بالإدانة القضائية المعللة من قبل المحكمة العسكرية التي يثق بها التيار- تُسقط ذلك كله، وتضع هذا الجمهور المخدوع أمام حقائق مختلفة، انطلاقاً مما ورد في نص الحكم الصادر بحق كرم.

أولاً: "المعلومات" جهاز أمني شرعي وتحقيقاته ذات حجية ومصداقية أمام المحاكم

منذ أكثر من عام تركز دعاية "التيار الوطني الحر" على أن جهاز المعلومات في قوى الأمن الداخلي غير شرعي، ولا يعتبر في عداد الضابطة العدلية، وتحقيقاته لا يجب الأخذ بها أمام المحاكم (وفق موقف معلن للنائب عن التيار زياد أسود)، علماً أن الجهاز نشأ بموجب المرسوم رقم 1157 الصادر في 2/5/1991، وتالياً يعد محققوه ورجاله في عداد الضابطة العدلية، وإفادات المستجوَبين لديه ذات حجية، والقول بعكس ذلك يعني بطلان محاكمات أكثر من عشرين عميلاً إسرائيلياً كبيراً، فضلاً عن عشرات الإرهابيين والمجرمين الجنائيين الذين أوقفهم واستجوبهم الجهاز المذكور خلال سنوات عمله، لا سيما بعد العام 2005.

هذه الحقيقة أكدها الحكم الصادر بحق كرم، والذي بُني في جانب كبير منه على أساس "التحاليل الفنية التي أجراها القسم الفني في فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي"، وفق ما جاء في نص الحكم. (لهذا السبب اعتبر بعض النواب العونيين بعد صدور الحكم أنه انتصار لجهاز المعلومات).

الأقسى؛ أن اعترافات كرم أمام شعبة المعلومات تميّزت بالمصداقية، لأنها تأيّدت باعترافاته فيما بعد أمام النيابة العامة وأمام قاضي التحقيق العسكري، حيث نص الحكم الصادر بحقه بأنه "مبني على: اعترافاته (فايز كرم) في التحقيقات الأولية، والاستنطاقية، ومن استجوابه أمام هيئة المحكمة"!. كما أن إفادته أمام "شعبة" المعلومات "تأيّدت باعتراف المتهم في التحقيقات الأولية، والاستنطاقية، وبالتحاليل الفنية للخطوط الدولية المستعملة من قبله، ومن مطابقة حركة دخوله وخروجه وتواجده في فرنسا، وحركة استعماله للأرقام الدولية مع ما ورد في إفادته الأولية، وبمضمون الرسائل الموجهة منه إلى أفراد عائلته في التحقيق الأولي وبمجمل الأوراق".

ثانياً: كرم لم يتعرض للتعذيب ولا أي إكراه مادي أو معنوي

لفترة طويلة؛ ركّز نواب "التيار الوطني الحر" ومحامو الدفاع عن كرم على بطلان إفادته الأولية، بدعوى أنها جاءت تحت التعذيب والإكراه، كسبب للتخلص من اعترافات كرم التي أعقبت انهياره أمام "شعبة" المعلومات، لكن هذا الدفع بالبطلان (الذي نسج حوله إعلام التيار كثيراً من الروايات) أجابت عنه المحكمة بالقول: "المتهم ينكر إفادته الأولية مدلياً ومركّزاً على أن هذه الإفادة جاءت تحت تأثير الضرب والإكراه المادي والمعنوي الذي تعرّض له من المحققين في فرع المعلومات، دون تقديم أي دليل أو إثبات أو قرينة تؤكد هذه الإدلاءات، بل العكس فإن المحكمة ترى في ما ورد في إفادته الاستنطاقية، لجهة تأييده الإفادة الأولية، ولجهة إقراره بأنه أعطاها دون ضغط أو إكراه، ولجهة تحفظه على بعض العبارات اللفظية، ولجهة ما ورد من تناقض في استجوابه من هذه المحكمة، ما يؤكد أنه لم يتعرّض لأي ضغط أو إكراه. كما ترى في إفادات الشهود المستمع إليهم من المحكمة؛ سواء الأطباء منهم الذين عاينوا المتهم في فترة توقيفه حيث أفادوا أنهم لم يلاحظوا أية آثار ضرب عليه، أو ضباط قوى الأمن الداخلي الذين حققوا معه وأفادوا أنه لم يتعرض لأي نوع من الإكراه المادي أو المعنوي، ما يعزز قناعة المحكمة بأن المتهم قد أعطى إفادته الأولية بملء إرادته دون أي ضغط أو إكراه"!.

ثالثاً: "داتا الاتصالات" ذات قيمة ثبوتية قانونية وقضائية

في محاولة منه لضرب مصداقية القرار الاتهامي للمحكمة الدولية؛ ركز "حزب الله" على بث دعاية مخادعة مفادها أن "اختراق إسرائيل قطاع الاتصالات أفقد داتا الاتصالات قيمتها الثبوتية" (النائب عن "حزب الله" حسن فضل الله، والوزير عن "التيار الوطني الحر" شربل نحاس).

هذه الدعاية سقطت من جديد في الحكم الصادر بحق كرم كما سقطت قبلاً في كل المحاكمات المشابهة للعملاء-، بنص حكم المحكمة العسكرية الذي بُني على "التحاليل الفنية التي أجراها القسم الفني في فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي… لأن المتهم لم ينكر التواصل مع الأرقام العائدة للاستخبارات الإسرائيلية، إنما أدلى أن الخطين الألماني والنمساوي تواصل بهما مع المدعو جو حداد، والخط البلجيكي تواصل منه مع المدعو عدنان بلول، وهو صديق له، دون أن يثبت إدلاءاته هذه… مع ملاحظة مفادها عدم توافر أية معطيات عن كامل هوية جو حداد أو مكان إقامته ليصار إلى استدعائه لاستماعه وأن علاقة المتهم به قد انقطعت منذ آخر اتصال أجري معه، الأمر الذي يعزز قناعة المحكمة بأن المدعو جو حداد، وعلى فرض صحة وجوده، لا علاقة له بالخطين الخلويين المذكورين".

ومعنى ذلك؛ أن "المعلومات"، كما قضاة المحكمة، اعتمدوا الآلية نفسها التي اعتمدتها لجان التحقيق والمحكمة الدولية لاتهام أربعة منتسبين إلى "حزب الله" في قضية اغتيال الحريري، لجهة السير وراء الخط المشبوه وليس الشخص المشبوه، صاحب الخط المعلوم!، ما يُسقط بدوره دعاية "حزب الله" أن (داتا) الاتصالات لا تصلح قرينة ظرفية في القرار الاتهامي!.

رابعاً: خوف عون على نفسه وراء تراجعه عن التخلي عن كرم

في 3/8/2010 أوقفت "شعبة" المعلومات في قوى الأمن الداخلي العميد المتقاعد فايز كرم، بعد مراقبة دقيقة. وسرعان ما أقر الرجل بالتهم المنسوبة إليه، فأعلن العماد ميشال عون تنصله منه، معتبراً أن من بين تلامذة السيد المسيح نفسه من سقط في الخيانة!، لكن عون ما لبث أن غيّر موقفه تدريجياً، وصولاً إلى اعتبار كرم سجيناً سياسياً، واتهام "شعبة" المعلومات بـ "فبركة" التهمة له، مستفيداً من الصمت المطبق لـ "حزب الله"!.

ظل تغيّر موقف عون لغزاً محيراً، خصوصاً أن من مصلحة عون التنصل من كرم، حرصاً على سمعة تياره، وعلى حسن علاقته بحليفه الإستراتيجي "حزب الله"، لكن موقف عون لم يبق لغزاً، بعدما سقطت سرية التحقيقات، ونُشرت رسائل كرم إلى كل من زوجته هند كعدي (4/8/2010 أقر فيها بالتهم طالباً منها السماح)، وابنه وجيه (6/8/2010 كرر اعترافه فيها، راداً السبب إلى عون الذي "تناسى أنني ضحيت معه")، سيما أن الحكم على كرم أشار إلى موضوع الرسائل هذا، دون أن يتوسع في مضمونها (يرى كثير من الحقوقيين أنه كان يجب على المحكمة الاستماع إلى إفادة ميشال عون نظراً للمعلومات الخطيرة التي وردت في الرسائل بشأنه).

يقول الحكم الصادر بحق كرم: "كتب (كرم) أربع رسائل إلى أفراد عائلته؛ الأولى بتاريخ 4/8/2010، والثانية بتاريخ 6/8/2010، موجهتان إلى زوجته هند يطلب منها السماح والمعذرة على فعله ويعترف بخطأه، والثالثة والرابعة بتاريخ 6/8/2010 موجهة إلى ابنه وجيه وابنته ميرا يعترف فيهما بأنه أخطأ وتكلم مع شخص من الاستخبارات الإسرائيلية بدافع الحشرية، وأنه سقط أثناء اللقاء، وقبِلَ منه مبلغ سبعة آلاف يورو، واستمر بالتواصل معه عبر الهاتف، ولم يتعدّ حديثه معه الشأن السياسي".

وبالعودة إلى رسائل كرم يظهر أنه كتب فيها ما يأتي: "احتل الإسرائيلي، في العام 1982 منطقة بعبدا، وأول زيارة لقائد الفرقة تمّت لمقر (ميشال) عون، ويشهد على ذلك النقيب في حينه عصام حداد، ضابط أمن الفوج، وهو شقيق العميد سيمون حداد في قوى الأمن الداخلي"!. أضاف كرم في رسالة بخط يده إلى ابنه وجيه: "من الأمور التي يجب التوقف عندها زيارة ميشال عون إلى المجلس الحربي الكتائبي، ودخوله إلى قاعة الاجتماعات حيث كان يعقد (أي عون) اجتماعاً للقواتيين والإسرائيليين تحضيراً لاجتياح مخيم صبرا وشاتيلا، بقيادة إيلي حبيقة"!.

وتابع كرم: "في المرحلة الأخيرة من عدوان تموز قدمتُ إلى الرابية، وكنت جالساً مع العماد عون على شرفة منزله، وكان ذلك في مرحلة بداية التفاوض من أجل الوصول إلى وقف إطلاق نار وتسليم العسكريين الإسرائيليين (الأسرى)، وقد شعرت أن العماد عون يرغب بأن يلعب دوراً في المفاوضات للوصول إلى وقف النار، وكان الخيار يتجه باتجاه الأمين العام للأمم المتحدة وأمين عام جامعة الدول العربية، فقلت للجنرال لقد اتصل بي دبلوماسي إسرائيلي من لندن، وأنا يمكنني إن أردت أن أكلمه لأعرض عليه التوافق على اسمك، فهل تقبل بذلك، فتعجب من طرح الموضوع وقال لي: أبداً لا تكلمهم ولا أريد هذه المهمة إلا في حال تكليفي من قبل الشرعية اللبنانية أو من قبل السيد حسن نصر الله… وكنت بالسابق قد أخبرته مباشرة عند مغادرتي لبنان عن طريق إسرائيل ووصولي إلى فرنسا، وأخبرته أنني قدمت عن طريق إسرائيل فقبرص وفرنسا"!.

وبعدما مرر كرم في رسالته أن جنرال الرابية كان يعلم بعمالته (ربما بقصد الضغط عليه ليقف إلى جانبه)، انتقل إلى خانة أخرى اعتبر فيها أن عون نفسه سبب عمالته لأنه: "في أثناء وجودي في فرنسا قبل العام 2005، عانيت من تصرفات الجنرال معي، لجهة عدم إعطائي المال الكافي لأعيش بكرامة، وكان المبلغ الذي يعطيني إياه، وهو 1300 يورو، لا يكفي لتسديد إيجار الشقة، حتى إنه رفض أن أستقل الطائرة التي حضر فيها إلى لبنان، كونه كان يوجد بحقي مذكرة توقيف، وتناسى أنني ضحيت معه"!!.

معلومات غاية في الخطورة، لم تتجرأ "شعبة" المعلومات، ولا النيابة العامة، ولا قاضي التحقيق، على طلب الاستماع مجرد الاستماع- إلى إفادة عون، بناءً عليها، والأغرب أن "حزب الله" حليف عون لم يكترث في الظاهر- إلى أن من يتعامل معه ويجتمع به أي عون- كان يعلم بعمالة أحد أركان تياره!. (سبق لكرم أن جعل علامة بينه وبين مشغليه "المقابلة التلفزيونية التي سيجريها على قناة المنار بتاريخ 23/3/2006" كما جاء في الحكم الصادر بحقه).
الحكم سنتين: "تنزيلات كبرى"!

بالانتقال من الإدانة إلى العقوبة؛ فإنه من الصعب الاقتناع بأن المحكمة لم تراع حجم الضغوط التي تعرضت لها من قبل تيار طويل عريض، متحالف مع فريق أكبر وأقوى، بدليل الحكم الذي جاء مخففاً جداً، لجهة المادة 278/ عقوبات التي تعتبر الأفعال التي أقدم عليها كرم جناية يُعاقب عليها بالأشغال الشاقة المؤقتة، لكن حكم المحكمة فضلاً عن حكمه على كرم بأقل مدة للجناية (ثلاث سنوات)، فقد خفف الحكم لأسباب – لم يبينها – إلى سنتين، وهي مدة برأي كثير من الحقوقيين- لا تتناسب مطلقاً مع خطورة الجرم، خصوصاً إذا ما قورن بأحكام أخرى صادرة عن المحكمة نفسها بحق عملاء آخرين…. وإذا ما قورن بالحكم على "المتهم الياس كرم والفار إلى إسرائيل (الذي) أقدم على التدخل في الأفعال المرتكبة من المتهم فايز كرم والذي التقاه في باريس خلال العام 2006"، ذلك أن الياس كرم "المتدخل" في الجريمة نفسها، ووفق المادة 278 نفسها، نال حكماً بعشر سنوات، بينما نال كرم سنتين فقط!. (الحكم على الياس كرم غيابي).

ولتأكيد النتيجة السابقة؛ يمكن العودة إلى الحكم الذي أصدرته المحكمة نفسها، برئاسة العميد الركن نزار خليل نفسه، بحق المدان بجرم التعامل حسن أحمد الحسين (مواليد 1952- القصيبة- قضاء النبطية)، بتاريخ 21/7/2010.

الحسين (كان رتيباً في الجيش لكنه تقاعد وتولى مسؤولية تنظيمية في حركة "أمل") بدأ عمالته في العام 2008، وألقي القبض عليه في العام 2009 من قبل "شعبة" المعلومات في قوى الأمن الداخلي، عبر تعقب الاتصالات. ومع أن الحسين لم يمض عليه في العمالة أكثر من سنة، ولم يسهم في أية عملية تنفيذية، فقد حكمت عليه المحكمة العسكرية بالإعدام، ليكون هذا الحكم ثالث حكم بالإعدام يصدر عن القضاء اللبناني!.

الأغرب أن المحكمة نفسها التي حكمت على الحسين وجاهياً سنداً للمواد 274 و275 و278 و285/عقوبات، عاقبته بنص الحكم الصادر عنها "بالأشغال الشاقة لمدة 15 سنة لجهة المادة 278" وهي المادة نفسها التي حكمت بموجبها على كرم بسنتين فقط!.

قد يجوز القول إن الأهم أن المحكمة انتصرت على كل التهويل الذي تعرضت له ودانت كرم، هذا صحيح، لكنه لا يعفي النيابة العامة من ممارسة حقها في تمييز الحكم بهدف تشديد العقوبة، حتى لا تشكل هذه الأحكام المخففة، معطوفاً عليها حملات تمجيد العملاء، بيئةً حاضنة للعمالة، وفق توصيف السيد حسن نصر الله.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل