إستحوذت الاتّصالات بين مكوّنات حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عبر الثلاثي "حزب الله" وحركة "أمل" والحزب التقدّمي الإشتراكي، على مقدار كبير من الأهمّية، وخصوصاً الاجتماع الذي عقد في دارة المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم، وهذا يذكّر بالطبخات السياسية و"التركيبات" التي كان يعدّها، بكثير من المهارة اللواء جميل السيّد، إذ تبدي أوساط جنبلاط ارتياح الأخير إلى هذا اللقاء "المعمّق والصريح والمنتج" بعد ساعات طويلة من المداخلات والنقاش الهادئ بين المشاركين.
وعلم في هذا الإطار أنّ الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله أبلغ أخيرا الى الوزير غازي العريضي أنّه لا يشكّ إطلاقاً في مواقف جنبلاط وعدم خروجه عن الأكثرية الحاليّة، ومن هذا المنطلق بدا نصرالله وقيادة الحزب مرتاحين الى " الموقف التقني" لرئيس "جبهة النضال الوطني" من الملفّ الكهربائي، بعدما عاشا هاجس إمكان تحوّل جنبلاط من موقعه الحاليّ إلى الضفّة الأخرى.
أمّا لماذا تنسيق جنبلاط مع قيادة "حزب الله" والتناغم معه للحفاظ على الحكومة الحاليّة، وبالتالي عدم سقوطها، فيقال إنّ جنبلاط وبعد زيارته الأخيرة لتركيا اعتقد أنّ هناك تسوية تركية ـ أميركية ـ فرنسية على بقاء النظام السوري، ما دفعه إلى إيفاد العريضي إلى دمشق واجتماعه بمعاون نائب الرئيس السوري اللواء محمد ناصيف، ومن ثمّ زيارة الأخير للسيّد نصرالله. من هنا عاد جنبلاط واستدرك الموقف ففتح خطاً حواريّاً في اتّجاه الرئيس سعد الحريري لعلّه يوصله إلى السعودية، لكن الرياح الجنبلاطية جرت بما لا تشتهي سفن المتغيرات الإقليميّة من سقوط للنظام الليبي وتفرّغ المجتمع الدولي لدعم المعارضة السورية، وإطلاق إشارات التنحّي للرئيس بشّار الأسد، ولم يحظَ جنبلاط بالتجاوب المطلوب. وثمّة معلومات تشير إلى استياء خليجي واضح أُبلغ إلى جنبلاط عبر أقنية متعدّدة، وتحديداً من السعودية على خلفية انفتاحه على "حزب الله" ومشاركة العريضي في مهرجان "يوم القدس العالمي" في مارون الرّاس، في وقت كان السيّد نصرالله يهاجم القرار الاتّهامي الصادر عن المحكمة الدوليّة، إضافة إلى التواصل الجنبلاطي مع إيران، وكلّ ذلك أزعج سيّد المختارة الذي انتقد في مجالسه الخاصة بعض نوّاب تيّار"المستقبل" و14 آذار وقياداتهما، واصفاً إيّاهم بـ"الرؤوس الحامية"، ناهيك عن استمرار الفتور بين "المستقبل" والحزب التقدّمي الإشتراكي في إقليم الخرّوب، الأمر الذي ينعكس سلباً على العلاقة السياسية والإجتماعية بينهما. أمّا العامل الأبرز فيتمثّل بإشادة جنبلاط بمفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، واصفاً إيّاه بـ"المفتي الكبير والرجل العاقل". وقد نُقل عن جنبلاط ارتياحه الى التنسيق والتلاقي بين دار الفتوى وقيادة "حزب الله"، في الوقت الذي كانت المقاطعة تظهر واضحة بين المفتي و"المستقبل" الذي لم يشارك أيّ من قيادييه ونوابه في صلاة عيد الفطر التي أمَّها قباني في مسجد محمد الأمين في وسط بيروت.
ويبقى أنّ جنبلاط لم يزل يعتمد على نهج التوازن في علاقاته تحت ستار الاستقرار السياسي والأمني، ولكن مخاوفه وقلقه كبيران تجاه الفتنة السنّية ـ الشيعيّة، والتي يحذّر منها في استمرار. أمّا عن حراكه السياسي الراهن، فإنّه يدرك أنّ سقوط الحكومة لن يضرّ "حزب الله" وحده، بل سيكون هو شريكاً في المصيبة في اعتبار أنّه ممثّل بثلاثة وزراء فيها، وذلك قد لا يتكرّر له في حكومة أخرى. مع الإشارة وفق المعلومات المؤكّدة إلى أنّ جنبلاط يؤكّد أنّه لن يسمح بإضعاف الرئيس نجيب ميقاتي، لأنّه كان اللاعب الأساسي في تسميته بالتشاور مع سوريا و"حزب الله"، وأنّ رئيس الحكومة يعتبر حليفاً داعماً لجنبلاط، الأمر الذي ظهر في تسمية الوزير علاء الدين ترّو، والأخذ بالمطالب الجنبلاطية في التعيينات الإدارية والأمنية، حيث ستكون له حصّة الأسد في إطار هذا الدعم، ومن هنا يظهر التواصل اليومي والتنسيق بين كليمنصو والسراي وتوافقهما حول الملف الكهربائي ومعظم القضايا المطروحة على بساط البحث، وسط استبعاد جنبلاط في مجالسه سقوط هذه الحكومة في المرحلة الراهنة، معوّلاً على تجاوب ميقاتي في رفض قانون الانتخاب على أساس النسبيّة الذي يشكّل الهاجس الأكبر لجنبلاط الذي يساوم على قضية معيّنة، فيما هو يعمل للحصول على أمر آخر، وهذا ما برز في محطات كثيرة سابقة.