تساهم الزيارة المقبلة لكل من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي للامم المتحدة خلال الشهر الحالي ابان رئاسة لبنان لمجلس الامن في ابراز الاهمية التي توليها السلطة لاطلالة لبنان في هذه المرحلة في الخارج وكذلك الامر بالنسبة الى رئاسة الحكومة التي كان على جدول اعمالها بعد تأليف الحكومة جولة اقليمية وخارجية واسعة لم تسمح الظروف حتى الان في تحقيقها. بعض المراقبين يعتبرون ان هذا الحضور اللبناني على اعلى المستويات يفيد بالغطاء الدولي الذي يحتاج اليه دوما لبنان خصوصا في الازمات بحيث يجعل من الصعب تنصل الحكومة لاحقا من التزامها ازاء القرار الدولي المتعلق بالمحكمة الخاصة بلبنان في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فيما يرى بعض اخر ان الحرص الدولي الذي يعبر عنه لبنان الرسمي يمهد للتحسب لهامش لاحق يحتمل ان يأخذه في حال عجز الحكومة او رفضها تحت ضغط ابرز مكوناتها اي "حزب الله" تمويل المحكمة ولاحقا التجديد لها في اذار المقبل.
وتقول مصادر رسمية ان لا صلة للنشاط الخارجي لأركان الدولة في الامم المتحدة بموضوع المحكمة لكن من المستبعد ان تغيب المحكمة عن المداولات او الاتصالات التي سيجريها كل من الرئيس سليمان والرئيس ميقاتي مع اي من المسؤولين الذين يمكن ان يلتقيه كل منها تماما على ما كان الامر بالنسبة الى لقاءات رئيس الحكومة في باريس اخيرا . ومن غير المرجح ان تغيب مواقف علنية تصدر قريبا عن رئيس الجمهورية او رئيس الحكومة في نيويورك تؤكد التزام لبنان قرارات الشرعية الدولية بما فيها موضوع المحكمة على رغم عدم استبعاد مصادر معنية ان يكون الوضع مختلفا في المحادثات من حيث الاشارة الى الاشكالات الداخلية التي يواجهها لبنان على هذا الصعيد علما ان الهدوء الذي واكب صدور القرار الاتهامي وعدم حصول اي توتر امني او عسكري من اي نوع على عكس التهديدات السابقة التي كان يتم التلويح بها لمواجهة صدور هذا القرار فاجأ كل المراقبين الدوليين بحيث ان اي ذريعة في هذا الاطار لم تعد مؤثرة جدا.
وبحسب هذه المصادر يبدو صعبا على الحكومة اللبنانية الا تمضي قدما في موضوع تمويل المحكمة استنادا الى التجربة التي شهدتها ازمة الكهرباء في الاسابيع القليلة الماضية والتي اثبتت حرص الافرقاء المعنيين بها على بقائها وعدم تطييرها لاسباب داخلية واقليمية على حد سواء. ويمكن للرئيس ميقاتي كما يسري الانطباع الاستناد الى انه مع تمويل المحكمة بناء على ما وعد به الفرنسيين والاوروبيين وحتى الاميركيين لكن التصويت داخل الحكومة التي تغلب فيها سيطرة قوى 8 آذار هو الذي اسقطه. لكن الامور يمكن ان تؤدي في هذه الحال الى احد احتمالين نتيجة اعتقاد ان هذا التوازن الدقيق الذي يتم فيه امساك الامور او العصا من وسط لن يكون سهلا او دائما حين تفترض الامور حسم الموقف اما مع واما ضد. احد هذين الاحتمالين امكان استقالة رئيس الحكومة من منصبه بناء على التزامات قدمها ولم يستطع احترامها مما قد يحمله على وجوب تقديم استقالته قياسا الى الحساسيات الطائفية والمذهبية والسياسية الداخلية الضاغطة في هذا الاطار وعدم قدرته على الحصول في مجلس الوزراء على موافقة على امور التزمها في البيان الوزاري لحكومته. والامر الاخر هو مراقبة الخارج لمدى سيطرة " حزب الله" على الحكومة ومدى امكان هذه الاخيرة مواجهة المجتمع الدولي المفتوحة قابليته على عقوبات قد لا يكون سهلا على لبنان وعلى رئيس حكومته مواجهتها لما قد يترتب على هذا الموقف من تداعيات سلبية عليه شخصيا وعلى لبنان ايضا. وقد بدا من التقويم الاميركي اخيرا لاداء الحكومة في الشهرين الماضيين حرص الحكومة حتى الآن على التزام قواعد اللعبة السياسية الخارجية من دون ان يضع الحزب الحكومة في الواجهة. ويسود انطباع على نطاق واسع لدى الاكثرية الحالية عدم امكان مواجهة لبنان المجتمع الدولي والامتناع عن تمويل المحكمة بحيث ينبغي ان ينصب العمل على ايجاد المخارج اللازمة لـ"حزب الله" بعدم موافقته على ذلك انسجاما مع الشعارات التي استهدف بها المحكمة بحيث ترجح هذه المصادر احتمال انسحاب وزراء الحزب من الجلسة التي يتم فيها اقرار تمويل المحكمة على رغم ان ذلك لا ينفي احراجا او ارباكا يلحق به لجهة انه يشارك في حكومة غالبيتها من حلفائه الذين يقررون تمويل المحكمة التي يصفها الحزب بأنها اميركية اسرائيلية وهي تستهدفه. لكن هذا الاخراج يبدو قابلا للتصديق في الاطار نفسه اي عدم الحاجة الى وضع الحكومة في مواجهة مع المجتمع الدولي وعلى قاعدة ما جرى حتى الان مع صدور القرار الاتهامي حيث فصل الحزب نفسه عن الحكومة. اذ اعلنت انها تتجاوب مع ما تضمنه القرار الاتهامي الذي اصدره المدعي العام للمحكمة دانيال بلمار وسعت الى البحث ولو شكلا عن المتهمين الذين وردت اسماؤهم في حين اعلن الحزب مواقف جاهرت بتبني المتهمين وعدم تسليمهم ولو بعد 300 سنة في فصل كلي بين موقفي الحكومة والحزب. وهو الامر الذي قد يسري على مفاصل اخرى لاحقة ما دامت الحاجة قائمة ومستمرة الى بقاء هذه الحكومة على رغم ان هناك احراجا مزدوجا لكل من الحكومة والحزب في كل مفصل من المفاصل المتصلة بالمحكمة.
روزانا بومنصف