كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار": عشية توجه رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى نيويورك لترؤس جلسة لمجلس الامن وإلقاء كلمة امام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ومع ترقب جلسة 20 الجاري التي يتوقع ان تشهد تلاوة طلب قبول عضوية فلسطين في الامم المتحدة وفقا لحدود 1967، تتواصل حركة الاتصالات المحلية الهادفة الى مواكبة الاستحقاق الفلسطيني، ولا سيما من زاوية انعكاساته المتوقعة على الواقع اللبناني.
فيما شكل بيان مجلس المطارنة الموارنة الأسبوع الماضي باكورة المواقف في هذا الشأن وخصوصا عبر رفضه المباشر تحويل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان رعايا اجانب نظرا الى ما يمكن ان تنطوي عليه خطوة كهذه من تداعيات، يتوقع ان تستكمل وفقاً للمتابعين بخط مواقف بياني تصاعدي في الاسابيع المقبلة، قد يأتي في مقدمها اطلاق الدوائر المقربة من الكنيسة وتحديداً الرابطة المارونية، وثيقة مفصلة تحاول شرح وجهة النظر المسيحية والوطنية من القضية كلاً، علماً ان المبادرة هذه تتقاطع مع لقاءات تقودها مرجعيات سعياً للوصول الى تصور تحسباً لأي خرقٍ محتمل في الأمم المُتّحدة، في هذا الشأن.
وإذا كان ثمة اطراف يعولون على حركة فلسطينيّة – عربيّة ناشطة يتولّى لبنان قيادتها، من موقعه رئيساً لمجلس الأمن في ايلول وعضويّته غير الدّائمة فيه حتّى 2012، وفي اطار الحراك العربي الذي يعكس في جانب منه تطلع الشعوب الى تحديد مصيرها، فإن احد ملامح هذه الحركة بدا في الورقة التي اعدتها احدى الهيئات المكلفة تزويد المراجع الرسمية العليا دراسات وافية عن الموضوع، فيها تنبيه الى ضرورة تفادي لبنان ثلاثة منطلقات تسعى إسرائيل إلى تكريسها مواكبة لاي تطورات محتملة على هذا الصعيد، أبرزها السعي الى الفصل بين القرارين 181 و194، ومحاولة تسويق الحلّ الإقليميّ على حساب الحلّ الدوّليّ لقضيّة اللاجئين الفلسطينيّين، مع التركيز على إنهاء دور وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيّين وتشغيلهم (الأونروا) التي يستعد لبنان لتولي نيابة رئاستها السنة المقبلة.
وإذ تلفت الورقة الى الكباش القانونيّ القائم مع إسرائيل في هذا السّياق، في إطار توجّه اللاجئين الفلسطينيّين إلى محكمة العدل الدّوليّة، عبر سابقة رفع دعوى شخصيّة وجماعيّة عليها لمنعها إيّاهم من العودة، تسلط الضوء على مجموعة تداعياتٍ قانونيّة على وضعيّة اللاجئين الفلسطينيّين سيرتبها اعلان الدولة في حال تحقيقه. تداعيات يترجمها حصولهم على صفة المواطنين المرتبطين بدولتهم، الأمر الذي يؤدي الى طرح إشكاليّتين: الاولى كما تفصلها الورقة، تتناول نوعيّة الوثائق التي ستزوّدهم بها دولة فلسطين من هويّاتٍ وجوازاتِ سفر، وفاعليّة هذه الوثائق وصلاحيتها، في ظلّ الرفض الإسرائيليّ لإمكان عودتهم. فيما تتعلق الثّانية بكيفيّة التّعامل القانونيّ للدّول المضيفة مع هؤلاء اللاجئين، بعد تحوّلهم رعايا – مقيمين، "وهنا يكمن تحدّي حماية صفة لجوئهم المرتبطة بالقرار 194"، تفاديا لتصفية حق العودة، على ما تنبه.
وحيال التصلب الاسرائيلي المتواصل الذي يرافق خطوات المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية، وقد بلور جانبا منه الكلام الأخير لوزير الخارجية الاسرائيلي افيغدور ليبرمان، تبرز ثلاثة محاذير ينبغي مواصلة المساعي الحثيثة لتفاديها، وتلخّصها الورقة بمحاولة تحويل قضيّة اللاجئين من دوليّة إلى إقليميّة فموضِعيّة وطنيّة للدّولة المضيفة، وإسقاط صفة "لاجئ" عمّن تحوّلوا "رعايا – مُقيمين"، الى الخنق التّدريجيّ لدور "الأونروا" عبر جعل مسألة التّمويل أكثر صعوبة. وهو واقع تزيد تعقيداته الأصوات المراهنة على نقل المسؤوليّة الدّوليّة عن قضيّة اللاجئين الفلسطينيّين إلى مسؤوليّة إقليميّة، على رغم الرفض اللبناني لتنصل المجتمع الدّوليّ من هذه المسؤوليّة.
ووسط تجديد مطالبة المجتمع الدّوليّ بالقيام بواجبه تجاه اللاجئين الفلسطينيّين، عبر توفير الموارد لهم لتأمين حياة كريمة حتّى عودتهم وفقا لقرارات الأمّم المتّحدة التي أكّدتها المبادرة العربيّة للسلام، تبرز دعوة الى مقاربة أوضاع المخيّمات "بمنطق الحقوق والواجبات حتّى العودة".
في اي حال، معلوم أنّ "الأونروا"، التي بدأت الاضطلاع بمهمّاتها في أيّار 1950، تستجيب لحاجات 4,67 ملايين لاجئ، ويتجاوز عدد الموظّفين العاملين فيها 30 ألفاً، مما يضعها أمام تحدّيات كبيرة على المستويّين الإداريّ والماليّ وعلى صعيد تحديد استراتيجيا لدورها عبر علاقتها مع الدّول المانحة والمُضيفة، الأمر الذي يجعل اعادة هيكلتها ملحة. غير ان هذه الخطوة، على أهميتها، يفترض ان تندرج ضمن تصور أكثر شمولاً تعرضه الورقة على المسؤولين، ومن عناوينه: تكثيف الحملة الدّيبلوماسيّة لزيادة عدد الدّول المعترفة بـدولة فلسطين، مما يضع الولايات المتّحدة الأميركيّة امام مأزق استعمال "الفيتو" ضدّ إعلان الدولة ، الذّهاب إلى الجمعيّة العامّة للأمّم المتّحدة كخطوة تمهيديّة قبل الذّهاب إلى مجلس الأمن، وهي مبادرة تبدو أكثر فاعليّة على مستوى الرّأي العامّ المساند للدّيبلوماسيّة، في ظل السعي الى تفادي أي استدراج إسرائيليّ لتفجير ميدانيّ هدفه التّشويش على هذه الخطوة، ومواصلة رفض التنازل عن حقّ العودة انطلاقاً من التركيز على ان قيام دولة فلسطين يقوّي هذا الحقّ بتقرير المصير. ويضاف اليها تقدّم عدد من اللاجئين الفلسطينيّين بطلب عودة إلى فلسطين بعد تزويدهم جوازات سفر، مع رفع دعوى لدى محكمة العدل الدّوليّة ضدّ إسرائيل إذا ما رفضت هذا الطّلب.
أما على المستوى العملي، فان الخطوة هذه تقتضي، لبنانياً، ترتيب وضع اللاجئين القانونيّ- الإداريّ، وإبقاء صفة اللّجوء لهؤلاء فيصبحوا "مقيمين – لاجئين"، وتنظيم قيودهم ومكننتها في وزارة الدّاخليّة والبلديّات ومديريّة الشؤون السياسيّة واللاجئين، مع تكثيف الجهود لتحديد العلاقة بين "الأونروا" و الدّولة اللّبنانيّة من خلال مذكّرة تفاهم واضحة المعالم. وغني عن التذكير بأن الخطوات هذه على اهميتها، تبقى ناقصة ما لم تواكبها حملة لبنانية ديبلوماسيّة منسقة لدعم حقّ العودة.