كتب ابراهيم جبيلي في صحيفة "الديار": هل تغيّر العماد ميشال عون؟ أم إنها السلطة من الداخل هي غيرها من الخارج، حيث كان عماد الرابية يبرع في رحاب المعارضة، مستعملاً التعابير والكلمات "حفراً وتنزيلاً" في الواقع اللبناني وترسم الصورة الحقيقية للأوضاع، لكن عون الداخل هو غيره في الخارج، وهو الذي بدأ حياته السياسية قائداً للجماهير المنتشرة في ساحات وأحراج قصر الشعب في بعبدا، لينتهي اليوم يفاوض السياسيين حول حصته الوزارية او حول مشروع أو قانون، متناسياً شعار الجيش هو الحلّ وإن السياسيين هم من أوصل البلاد الى الأوضاع المأساوية.
والجنرال الذي لطالما قلب الطاولة في حروب الالغاء والتحرير وحلّ المجلس النيابي عندما ارتكب النواب «إثم» الطائف، هو ذاته اليوم يكثر من استعمال هاتفه الجوال للتفاوض في الربع الساعة الاخير، والأمثلة عديدة في هذا المجال، فهو أفرج سابقاً عن حكومة الوحدة الوطنية الرئيس سعد الحريري رغم ان جبران باسيل انتقل من "الاتصالات" الى "الكهرباء"، وفي حكومة الرئيس نجيب ميقاتي فشل في الحصول على حقيبته الفضلى الداخلية واكتفى – كما روّجوا – بوزير نصفي الولاء.
وتستمر الحلول الوسطية مع العماد ميشال عون خصوصاً في الملفات التي أثار حولها اعلام التيار الوطني الحرّ الضجيج عبر الحملات الاعلامية، فأخبروا الجميع بأن عون لن يرضى.. الاّ اذا اتت الرياح وفق ما تشتهيه مراكب العونيين، ففي المحكمة العسكرية، خرج الأنصار والمحازبون ومعهم النواب خائبين، وهم جهزوا مسبقا للاحتفالات التي يتقنها فريقهم، كما انهم حضروا الاعلام البرتقالية والوفود السيّارة الكبيرة التي كادت ان تطلق في ذاك المساء الى الرابية قبل أن ينطق رئيس المحكمة العسكرية العميد نزار خليل الحكم، فالجميع في الداخل والخارج والساحات حول القاعة تشكلت لديهم قناعة البراءة لرفيقهم القيادي، لكن كل شيء تغيّر فجأة، الاعلام نكست وخرج المحازبون على غير هدى كل في سبيله، فيما انصرف النواب كل الى تصريحه، محاولين زرع الشكوك بالمحكمة والأدلة، واعتبر ان الادانة الظالمة هي سياسية الاهداف تريد النيل من زعيم التيار الوطني الحر.
وفيما الضجة الاعلامية والمداخلات التلفزيونية تستعر وتزداد حماوة، اكتفى العماد ميشال عون خلال ندوة الثلثاء في حديقة الرابية بالسؤال عن العقاقير التي اعطيت للمتهم، واعتبارها بأنها سهّلت على المحققين انتزاع ما يريدون منه، وهكذا انتهت قضية المحكمة العسكرية وطوي ملفها ولم يبق لها اثر سوى الانتقال الى التمييز الذي يشبه الاعتراف بالمحكمة وبالقرار الصادر عنها.
وينتقل السؤال مجدداً: «هل تغير العماد ميشال عون؟» الى موضوع ثان شغل البلاد طيلة شهر، حيث اعتبر اللبنانيون ان حرباً كونية تخاض من أجل تأمين الكهرباء وإن أعداء الخارج يسعون الى تفشي الظلمة في الربوع اللبنانية، وبدأت الحملات الاعلامية والسياسية، أبطالها اعلاميون ووسائل اعلام وسياسيون وناشطون سياسيون، تفيد بالتالي: اذا أردتم الكهرباء عليكم الموافقة على رصد مليار و200 مليون دولار في خزائن وزارة الطاقة، وخلاف ذلك فان المعارضين لهذا المشروع هم أهل العتمة، ورافقت هذه العناوين، حملات اعلانية اعلامية ضخمة، عاشت خلالها البلاد حالة من الانقسام تشبه الاختلافات والانقسامات حول سلاح حزب الله فيما العماد ميشال عون نزل الى الميدان الاعلامي داعما مشروعه المعجل المكرر سبقه الوزير جبران باسيل شارحا بالتفاصيل عن المروحة و"المحطة" و"المولد" علما ان المساندة الاعلامية للعماد ميشال عون والندوة التوجيهية للوزير باسيل حصلتا عشية اقرار القانون في مجلس الوزراء، وفي ذلك المساء، اي ليل الثلاثاء عاش اللبنانيون هموم انفراط عقد حكومة كلنا للعمل، لان عون لن يرضى ان يستمر وزراؤه في الحكم اذا لم تقر خطته الكهربائية وفيما نام اللبنانيون على هاجس ازمة حكومية من جديد… حمل الصباح في اليوم التالي اشياء اخرى مطمئنة.. فما هي الوقائع التي حصلت يوم الاربعاء داخل مجلس الوزراء والتي دفعت بالعماد ميشال عون الى القبول مرة جديدة بنصف الحل ونصف الانتصار:
بعد ظهر الاربعاء "السهيل" دخل الجميع الى قاعة مجلس الوزراء في القصر الجمهوري مزودين بكلمة السر والموافقة على تفاصيل الخطة التي وصفها الفاعلون الاقوياء عشية اليوم الذي سبق، وكان النقاش في الداخل يختلف كليا عن "الظهورات" الاعلامية للبعض في التيار الوطني الحر، والبعض يؤكد بان المطروح في الخارج كان مناسبا لطروحات باسيل اكثر منه ما طرح على الطاولة، فالوزير باسيل الذي رفض بداية 600 مليون دولار دفعة اولى للمشروع عن ان يسدد الباقي خلال ثلاثة اشهر بكفالة من وزارة المال اذا تعذر على الحكومة الاستحصال على المبلغ من الصناديق، فاذا به يوافق على الاقساط والمهل التي تتغير في جلسة الاربعاء واصبحت على الشكل التالي: 414 مليار ليرة لبنانية تدفع في العام 2011، و461 مليار ليرة لبنانية تدفع في العام 2012، و518 مليار ليرة لبنانية تدفع في 2013 و380 مليار ليرة لبنانية تدفع في العام 2014.
ولم يكتف الوزير باسيل بتلقي المفاجآت غير السارة، بل اندفع خصومه على طاولة مجلس الوزراء بغرض ايقاعهم وشروطهم، واستعانوا بقبضات رئيس الحكومة على الطاولة الرافضة باية "لا" من وزير الطاقة، وهكذا استطاع الفريق الوزاري المعارض من فرض الهيئة الناظمة، مع انتخاب مجلس ادارة لمؤسسة كهرباء لبنان على ان يتولى باسيل فقط مهمة الوصاية.
وفيما سارعت وسائل الاعلام العونية الى زف البشرى للمواطنين بالانتصار الكهربائي وبان جهود التيار الوطني هدفها لعن الظلام، فان المراقبين يكررون السؤال ذاته: هل تغيّر الجنرال؟ ام ان مسؤوليات الحكم والسلطة تفرض سلوكا اخر يختلف كليا عن ممارسات قلب الطاولة.
وفي هذا المجال يتذكر معارضو الجنرال كيف حضر الوزير السابق ميشال سماحه الى الرابية على عجل يبلغه تمنيات الرئيس بشارالاسد بالموافقة على توزير جبران باسيل في الطاقة بدلا من وزارة الاتصالات اثناء تأليف حكومة سعد الحريري يومها لم يصدق عون مضمون الرسالة السورية، فاوفد صهره كي يسمعها مباشرة وهكذا حصل…
اما الحادثة فحصلت في الامس القريب عندما اشتغل الهاتف الخليوي بين عدد من المقرات الفاعلة في حكومة كلنا للعمل، مما سمح للرئيس نجيب ميقاتي وحليفيه الوزير الصفدي والنائب وليد جنبلاط من فرض شروطهم على مشروع عون الكهربائي. انتهى مجلس الوزراء وتأكد للجميع فعالية الخطوط الهاتفية المفتوحة بين الفاعلين والرابية. وتنتهي ازمة الكهرباء التي كادت ان تغرق البلاد في ازمة حكم والجميع يطرح السؤال: هل تغيّر الجنرال؟