إما أننا نعيش في عالم افتراضي له طقوسه الخاصة شكلاً ومضموناً، وإما أننا نعيش في عالم واقعي مقاييسه عامة على الجميع، وطبائعه واحدة رغم تنوّع الهويات والاثنيات.
في العالم الافتراضي يحقّ للنائب محمد رعد ان يقول ما يشاء وفق رؤيته ومنحاه وهواه. لكن في العالم الواقعي لا يحقّ له ذلك طالما انه يتحدث في مسائل وأمور وشؤون تخصّه وتخصّ الآخرين في الوقت نفسه.
والحق يا اخوان، اننا إزاء معضلة مُستدامة مع الحزب المسلح وبيانه السياسي المفتوح وأدائه المعلن منذ ذلك الثامن من آذار عام 2005، حيث رؤية الآخر معدومة وتلك العدمية تولّد نمطاً غريباً في أحاديته وأحكامه. وتلك الغرابة لا تني تولّد نكبات وكوارث في السياسة وموجبات العيش بين الناس عموماً، وتهدّد الاجتماع الأهلي اللبناني ومن ضمنه الاجتماع الإسلامي وضروراته خصوصاً وتحديداً.
يتحدث النائب رعد عن هدم جسور التواصل بين اللبنانيين ويتهم الاغيار بحمل ذلك المعول.. وفي حديثه يستقيم منطق الردح وتحضر حالة هي خليط من انعدام رؤية الآخر، وغرابة الأحكام، وتناسل الكوارث.
حالة من يعيش في عالم افتراضي بامتياز، بحيث تصير المحاججة موازية لغيابها ولانعدام وظيفتها.
وكأن بيان الحزب الأساسي يصرّ على التمدد من افتراضاته الى وقائعنا وفي كل اتجاه. تبدأ الدنيا عنده وتنتهي عنده. والباقي طراطيش تلوينية إضافية تُكمل المشهد ليس إلا. وفي هذا شطب لما سلف أياً كان نوعه وطبعه، وبدء مما خلف مهما كانت غرائبه: ينسى أو يتناسى النائب رعد ان حزبه وحلفاء حزبه ما تركوا جسراً تواصلياً واحداً قائماً بين اللبنانيين. وآخر وأكبر وأخطر جسر دُمّر على أيديهم هو ذاك الذي بُني في زمن لم يطوه النسيان بعد، والذي حاول بعض البنّائين من خلاله ايصال اللبنانيين الى الضفّة الأخرى من نهر أحزانهم وانقساماتهم وخلافاتهم، حيث منصّة جاهزة يقفون عليها معاً. يستذكرون فضائل "أبو ملحم" ويعيدون الاعتبار لتراثه وأدبياته، ثم يدملون التراب فوق شياطين القسمة والفرقة ويروحون الى مداواة جراحهم ورمي الملح بعيداً عنها وليس فوقها.
نسي أو يتناسى، ان الانقلاب على حكومة الوحدة الوطنية، تلا انقلاباً تاماً ومكلفاً على تفاهم أو اتفاق أو تسوية كان يفترض أن تنتهي بمؤتمر تصالحي تسامحي في العاصمة السعودية الرياض.. ونسي أو يتناسى أن من فعل ذلك مغروراً مكابراً مغتراً منتشياً بقوته التنظيمية، والتسليحية، وبلحظة سياسية محلية وإقليمية ودولية ظنّها مؤاتية وملائمة ودائمة، إنما أفصح عن نفسٍ تهديمي، دمّر أهم مشروع لجسر الهوّة السحيقة بين اللبنانيين، بعد أن تسبب فعلياً وعملياً بجزء من مسؤولية تدمير جنى سنوات من الأعمار والعمران في حرب "لو كنت أعلم" في تموز 2006!
نسي أو يتناسى النائب رعد، ان سياسة الإلغاء والاقصاء مطوّبة حكراً لحساب حزبه، وان شيئاً أياً يكن لا يستطيع كسر ذلك الاحتكار: إما أن تقولوا ما نقول، وتلتزموا ما نقرر، وإما انكم أبالسة مرتبطون بمشاريع عدائية لها أول وليس لها آخر.
القصة طويلة والحبكة فيها هي أننا أمام حالة افتراضية تصطدم وستصطدم دوماً بعالم الواقع، حيث الكلام العالي والاتهامات الواطية لا تغيّر في الحقائق شيئاً يُذكر!