#dfp #adsense

التفهم لمخاوفه لا يوازي الإرباك حيال مواقفه في باريس…صدمة الراعي تتوج جدلاً حول سلسلة مفاجآته

حجم الخط

منذ اليوم الاول لتسلمه مهماته في سدة البطريركية المارونية قبل أشهر قليلة، سعى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الى التمايز عن سلفه البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الذي كان واقفا الى جانبه يتقبل التهاني بانتخابه على رأس الكنسية المارونية، بإعلان برنامج عمل طموح من خلال اعلان النية في تثبيت الرعاية الكنسية للموارنة داخل لبنان وخارجه، وخصوصا في سوريا. وكرر البطريرك الجديد نيته زيارة سوريا مرارا قبل أن تفاجئه انطلاقة الانتفاضة الشعبية السورية وتفرض تعديلا قسريا في برنامج عمله. وفاجأت مواقف الراعي أوساطا لبنانية عدة لم تعرب عن ذلك علنا، ايمانا بأن للرجل اسلوبه ومقاربته التي ستختلف حكماً عن سلفه، لكن من دون التخلي عن ثوابت بكركي، بما يشكل عوامل اطمئنان الى ان لا تغييرات جذرية يمكن أن تطول الكنيسة. وخاض البطريرك الراعي مسارا طموحا وقيّماً في توجهه الى المناطق اللبنانية واحدة تلو الاخرى، بما يقرّب بين الكنيسة والمواطنين ويكسر الحواجز بينها وبينهم، وبينها وبين الطوائف والمذاهب الاخرى. الا ان المواقف السياسية التي أطلقها البطريرك كانت تشكل ولا تزال سلسلة متواصلة من المفاجآت بالنسبة الى الجميع، وان تكن مفاجآت سارة بالنسبة الى البعض وغير سارة بالنسبة الى البعض الآخر. فهناك مقياس بديهي في ظل الانقسام السياسي الكبير في البلد، ان يوظف اي موقف من مواقف رأس الكنيسة المارونية في حسابات الربح والخسارة في مصلحة هذا الفريق أو ذاك. وهذا أمر لم يحسم في مصلحة البطريرك الراعي ولا ضده حتى الآن، لأن ذلك يدرجه في خانة طرف دون آخر، علما أن كثرا سجلوا له خوضه غمار محاولة مصالحة المسيحيين أو على الاقل التوفيق في ما بينهم حول مواقف موحدة تخدم مصلحة المسيحيين على المدى الطويل في مواضيع كقانون الانتخاب أو بيع الاراضي وما شابه.

الا ان الايجابية الكبيرة على هذا الصعيد لم تخف واقع الصدمة التي اكتسبتها مواقف الراعي على الصعيد السياسي الداخلي أو الاقليمي عقب تصريحاته من العاصمة الفرنسية قبل أيام قليلة. فرأس الكنيسة المارونية جاهر بمواقف غير مفهومة لجهة تقويمه الثورات العربية قبل بضعة أشهر، وقد وضعها في خانة المؤامرة على منطقة الشرق الاوسط فيما المجتمع الدولي بأسره يتخبط في عامل المفاجأة التي لم يخرج منها جرّاء الثورات المتلاحقة في العالم العربي، وكيفية مواجهة هذه الثورات لئلا يخسر مواقعه ومصالحه. وهو قد ذهب في هذا الموقف الى مكان ندر ان ذهب احد اليه في وصف الثورات العربية، فيما توقع كثر ان يكون لما يحصل من انتفاضات في العالم العربي صدى مختلف. وهذا الموقف الذي اطلقه الراعي أبان زيارته السابقة للفاتيكان رسمت علامات استفهام حول التزامه خطوطاً عربية لسياسة الكنيسة في العالم علما ان الفاتيكان اتخذ مواقف لم تسمِّ الانتفاضات العربية بهذه الصفة.

وعلامة الاستفهام الكبيرة التي اثارتها مواقف الراعي اخيرا اتصلت بدعوته الى عقد اجتماعي جديد في لبنان لم يوضح ملابساته او اهدافه لكنه اثار تساؤلات عن المبادرة في هذا الاتجاه في وقت حساس داخليا الى حد كبير وعن وجود مصلحة فعلية لدى الكنيسة المسيحية في فتح المبارزة حول عقد اجتماعي جديد يقوم على أنقاض الطائف في الوقت الذي لا يُعتقد ان اي امر مماثل يمكن ان يأتي بالمكاسب التي لا يزال يحتفظ بها المسيحيون وفق اتفاق الطائف، فضلا عن أن أي عقد اجتماعي جديد يبدو خطوة في المجهول في ظل ميزان قوى مختل الى حد بعيد.

ومع التفهم الكبير للمخاوف التي تساور البطريرك الراعي على وضع المسيحيين في المنطقة وفي سوريا تحديدا، في ضوء ما جرى في العراق والاحداث التي تقع في مصر بين وقت وآخر، اضافة الى ما جرى في فلسطين والذي يشاركه فيه كثر من المسؤولين المسيحيين وسواهم ايضا، فان ما بدا مربكا ومثيرا للجدل في تصريحات الراعي من باريس، ايغاله في التعبير عن هذه المخاوف الى حد اعتماد محور اقليمي واضح من خلال دفاعه عن النظام السوري، وهو الامر الذي لم يجد أحد مبررا له، لكونه ليس زعيما سياسيا طامحا الى منصب ولم يصل الى موقعه بدفع سوري كما كانت الحال بالنسبة الى زعماء سياسيين من بينهم مسؤولون مسيحيون. فمن المبرَّر والطبيعي ان يبحث في هذه المخاوف مع من يراه معنياً بالموضوع، كما من البديهي ان يبحث عن ضمانات وتطمينات من أي جهة أتت، لكنه يخاطر بمصلحة المسيحيين في سوريا، كما في لبنان في حال لم ينجح نظام البعث في البقاء والاستمرار في سوريا كما انه يخاصم الطائفة السنية بصرف النظر عن انتماءاتها، ما دامت هذه الاخيرة مستهدفة من النظام السوري. في حين أن لا علاقة للبنانيين بما يجري في سوريا من حيث تأييد بقاء النظام أو رفض بقائه، باعتبار أن المسألة تتصل بالشعب السوري وحده وليس بمن في الخارج. ولم يفهم كثر إصرار البطريرك على خوض غمار مواقف سياسية يمكن تفهمها في بازارات السياسة الداخلية ولا يمكن فهمها في ادبيات بكركي، فهناك تكرار للوقوف مع المحكمة الدولية، شرط أن تكون غير مسيسة على نحو يعيد أدبيات قوى 8 آذار في هذا الشأن الى الواجهة من دون ابرازه ضرورة احقاق العدالة في لبنان بعد سلسلة اغتيالات استمرت عقودا.

كما يعيد هذه الادبيات او حتى يذهب ابعد منها في موضوع الكلام على سلاح "حزب الله" وربطه بعودة الفلسطينيين الى ارضهم على نحو لا يذهب اليه الحزب نفسه في هذا الاطار، في أقوى غطاء مسيحي يمكن أن يحصل عليه الحزب لموضوع سلاحه، في حين أن مصلحة المسيحيين في هذا الاطار تبدو من دون افق على خطوط المصلحة اللبنانية عموما أو حتى العربية، إذ كان المسيحيون رواد النهضة العربية او الدولية وبات يتناقض زعماء في الطائفة المسيحية في لبنان مع الغرب الذين يقولون انهم اقرب اليه منهم الى العالم العربي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل