
بعد عودة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي من زيارته إلى فرنسا حاول امتصاص النقمة واستيعاب الموجة وتنفيس الاحتقان الذي خلّفته مواقفه الباريسية، التي أطلق خلالها تصريحات في موضوعي إعطاء فرصة للرئيس السوري بشار الأسد وربط سلاح "حزب الله" بحل قضية اللاجئين الفلسطينيين، فضلاً عن إبدائه تخوفه من وصول حكم سني إلى سوريا.
مصادر مقربة من البطريرك للـ"mtv": بكركي لا يمكن أن تتزحزح عن ثوابتها وزيارة سوريا غير واردة إطلاقاً
ولا شك في أن البطريرك تقصد بتصريحه في مطار بيروت تبريد المناخات السياسية والإعلامية إفساحاً في المجال أمام حوار جاد وعقلاني لكل ما رافق زيارته ولقاءاته في فرنسا، وعلى الفور سارعت مصادر مقرّبة من البطريرك الراعي إلى توضيح ما ألمح إليه البطريرك في كلامه في المطار قبيل عودته عن أن "بعضهم يبني على كلمة من سراب وما قيل من تفسيرات ليست في محلها"، مشيرة لقناة الـ"mtv" إلى أن المشكلة تكمن في التضخيم الإعلامي وفي عمليات التحريف. وأضافت مقدمة مثلين على ذلك: "إن السؤال الذي طرح على البطريرك بشأن الوضع في سوريا جاء في صيغة الماضي وبالتالي عندما تكلم البطريرك عن وجوب إعطاء فرصة للرئيس السوري بشار الأسد لتحقيق إصلاحات كان يتحدث عن الماضي وليس عن اليوم. أما استعماله كلمة "Pauvre" في وصفه الأسد فلم يقصد بها التعاطف".
وأشارت مصادر بكركي إلى أن الفرنسيين تفهموا توضيحات البطريرك، لافتة إلى أن الزيارة انتهت كما بدأت في أجواء إيجابيّة بعكس ما أشيع. وأضافت: "إن آراء البطريرك والفرنسيين كانت متطابقة".
وختمت هذه المصادر مؤكدة أن بكركي لا يمكن أن تتزحزح عن ثوابتها رغم بعض ما يبث في وسائل الإعلام، مشيرة إلى أن ما أثير عن زيارة وفد مسيحي سوريا برئاسة مطران مقرّب من البطريرك غير واردة إطلاقاً.
أوساط مقربة من بكركي لـ"الجمهورية": التحدي الأساس أمام الأسد هو إقناع شعبه الذي لا يبدو في وارد منحه فرصة أخيرة
من جهة أخرى، أوضحت أوساط مقربة من بكركي لـ"الجمهورية" أن البطريرك حاول بزيارته إلى فرنسا "شراء بوليصة تأمين للمسيحيين المشرقيين على قاعدة أن ما تقرر دوليا قد تقرر، لجهة رفع الغطاء الدولي عن الأسد ودعوته إلى التنحي، وبالتالي يدرك البطريرك جيدا أن موقفه بالطلب من المجتمع الدولي إعطاء فرصة للأسد لتطبيق ما وعد به من إصلاحات لن يلقى التجاوب المطلوب، لأن القرار على هذا المستوى قد اتخذ والعمل يتم على قدم وساق لإقناع روسيا بالانضمام إلى هذا التحالف وليس العكس، أي أن موسكو باتت عاجزة حتى عن فرملة الاندفاعة الغربية، ولذلك لا تأثير لمواقف البطريرك على هذه الاندفاعة الدولية، إنما جل ما أراده هو تسجيل موقف سياسي-إعلامي تحييدا للمسيحيين".
كما أن البطريرك يدرك، وفق الأوساط المقربة نفسها، "أن القرار الأول والأخير في التغيير داخل أي دولة عائد للشعب وحده، والمواقف الخارجية تأتي استكمالاً وتتويجاً للمواقف الداخلية، وهذا ما يجعل التحدي الأساس أمام الرئيس السوري هو إقناع شعبه الذي وحده يعطيه الفرصة الأخيرة أو يسحبها منه، هذا الشعب الذي لا يبدو في وارد منحه هذه الفرصة".
وتقول الأوساط المقربة من بكركي أن ما حاول الراعي القيام به أيضا هو "تبديد صورة شائعة في الوسطين السياسي والإعلامي ،ومفادها أن كل من يزور الغرب هو متآمر، خصوصا أن زيارته جاءت في توقيت شديد الدقة والحساسية والخطورة، ولا مصلحة في إعطاء انطباع بأن بكركي شريكة في الحملة على سوريا و"حزب الله"، سيما أن زيارته إلى فرنسا هي بروتوكولية بعد انتخابه بطريركاً، كما أن حرصه على إعادة نسج علاقات المسيحيين مع دول القرار لن يسمح البطريرك باستغلاله من قبل هذا الطرف أو ذاك لينعكس سلباً على الوجود المسيحي المشرقي في هذا المنعطف الاستراتيجي الذي تمر به المنطقة".
أما لجهة ربط البطريرك سلاح "حزب الله" بقضية اللاجئين، مما يعني تحويل هذا السلاح إلى سلاح أبدي وسرمدي، تقول الأوساط المقربة نفسها "أن ما يحصل من حوادث في سوريا، خصوصاً في ظل الاحتمالات التي تؤشر إلى عدم قدرة الأسد على تجاوز الانتفاضة الشعبية السورية، تقض مضاجع الحزب وتجعله في حال من القلق على وجوده ومصيره، ليس فقط من زاوية سقوط حليف استراتيجي كبير له، وإنما أيضا من زاوية المحكمة الدولية والصراع الداخلي الذي يشكل سلاحه أحد العناوين الرئيسة فيه، وبالتالي من أولى أولويات البطريرك تطمين "حزب الله" وترييحه على طبيعة المرحلة المقبلة التي لا يجب أن تختلف، بعرف الراعي، عن المرحلة التي تلت الانسحاب السوري من لبنان، بمعنى ألا يشكل سقوط النظام مبرراً لمواجهة أو انتقام داخلي أو رد فعل من قبل الحزب ينعكس سلباً على لبنان، بل يفترض أن يدفع أي تحول بمستوى سقوط الأسد إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تعيد الوصل بين اللبنانيين وإطلاق الحوار في ما بينهم وصولا إلى تطبيق بنود هيئة الحوار والعودة إلى الدستور".
وتشدد الأوساط المقربة أخيراً على "أن البطريرك لا يريد تحويل مواقفه إلى مادة نقاش داخلية، لا بل سعى فور عودته إلى سحب هذا الموضوع من النقاش والسجال الإعلاميين"، مؤكدة أن بكركي لا يمكن ان تتزحزح عن ثوابتها ونصوصها المرجعية".