#dfp #adsense

لا خيار أمام إسرائيل

حجم الخط

توجّهت طائرة تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي إلى القاهرة لإجلاء السفير الإسرائيلي مع عائلته وموظّفيه، بعدما هاجم مصريون غاضبون السفارة الإسرائيلية في الجيزة وتمكّنوا حتى من اقتحامها. لقد نُظِّمَت سابقا تظاهرات حاشدة أمام السفارة الشهر المنصرم، بيد أن الاحتجاج الأخير هو الأكثر عنفاً إلى حد كبير ويُغيّر فعلاً قواعد اللعبة.

قبل أسبوع، كانت إسرائيل قد تعرّضت أيضاً لإذلال ديبلوماسي عندما طردت تركيا السفير الإسرائيلي على خلفية الهجوم على الأسطول الذي كان متوجّهاً إلى غزة العام الماضي والذي أسفر عن مقتل تسعة ناشطين أتراك على أيدي القوات الإسرائيلية. لقد أوضحت تركيا أنها تريد اعتذاراً كاملاً ولن تقبل بأقل من ذلك؛ أما إسرائيل فترى أن الاعتذار هو مؤشّر ضعف، ولذلك رفضت أن تقول العبارة السحرية "نحن نعتذر". لقد تدهورت العلاقات كثيراً بين البلدَين، مما يشكّل عنصراً إضافياً مزعزِعاً للاستقرار في منطقة تشهد أصلاً إعادة خلط تاريخية للأوراق وعلى نطاق واسع جداً.

يبدو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عاجزاً عن استيعاب ما يجري ، أو غير مستعد له، فهو لم يفهم بعد أن الشرق الأوسط القديم لم يعد موجوداً، وأن شرقاً أوسط جديداً يتكوّن الآن. الحاجة اليوم هي إلى ديبلوماسية ماهرة وحقيقية تحلّ محل أساليب الاستقواء القديمة من أجل النجاح في الحفاظ على الستاتيكو والبناء عليه بدل القضاء على أي نزر ولو يسير من العلاقات (لن نسمّيه سلاماً في هذه المرحلة) بين إسرائيل ودول أخرى في المنطقة.

أما التعديل الآخر في السلوك الذي يجب أن يقوم به نتنياهو حالاً فهو أن يبدأ بالتصرّف بلطف مع جيرانه لأن إسرائيل في حاجة إلى زيادة أصدقائها والحد من أعدائها في المنطقة من أجل أن تتخلّص من الغربة الواضحة جداً للعيان التي تعيش فيها. فبعد المواجهة السياسية الخطيرة مع تركيا والخروج المحرج من مصر، لم يبقَ لإسرائيل سوى أعداء ألدّاء لن يوفّروا جهداً لمهاجمتها وإلحاق الأذى بها بكل الوسائل الممكنة وفي أي وقت.

وفي تطوّر لافت خلال المأزق مع مصر، حضّ نتنياهو الرئيس أوباما على حماية السفارة الإسرائيلية في القاهرة. ويُعتقَد أن الرئيس أوباما أمّن خروج موظّفي السفارة سالمين منها، ولكن من الواضح أن الولايات المتحدة لم تعد تتمتّع بالنفوذ القديم نفسه في المنطقة، ولم تتمكّن من نجدة صديقتها. إنه واحد من الأمثلة الكثيرة التي عاد فيها "الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل" بنتائج عكسية تماماً على الولايات المتحدة وإسرائيل على السواء. وانطلاقاً من ردود الفعل في الشارع العربي، ليست هذه سوى البداية؛ ولا يزال على الولايات المتحدة أن تقطع طريقاً طويلاً للفوز بثقة واحترام عدد كبير من العرب الذين يعتبرونها حكَماً غير عادل في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي.

إزاء الوقائع الجديدة على الأرض، يتعيّن على إسرائيل أن تتصرّف بلطف لا بتعنّت. يجب ألا يصغي نتنياهو إلى الأصوات الراديكالية وألا يقف إلى جانب المتمرّدين الأكراد أو يقيم علاقات صداقة مع اليونان ودول أخرى في البلقان من أجل "تلقين تركيا درساً". على النقيض، يتعين على إسرائيل أن تتصرّف بترفّع، أي أن تعتذر عندما يكون الاعتذار واجباً، وتعامل الفلسطينيين بعدل فيما تحمي مصالحها وتصرّ على الحفاظ على أمنها. ويجب أن تحترم حق الطرف الآخر، سواء أكان مصر أم الأردن أم فلسطين أم لبنان أم سوريا أم تركيا أم سواها، في العيش بسلام أيضاً. كي تكون إسرائيل أكثر أماناً، عليها أن تتخلّى عن سياسة الاستقواء وتتحوّل لاعبة عادلة في المنطقة.

إذا أرادت إسرائيل أن تزدهر كديموقراطية وتكون جزءاً من الشرق الأوسط الجديد، لا خيار أمامها سوى أن تكون جارة صالحة. وكلما تأخّرت في إدراك هذا الأمر بات من الأصعب تحقيق السلام لأن أصوات الكراهية حيال إسرائيل ستعلو أكثر فأكثر وتصير أكثر دموية، وستُعزَل إسرائيل أكثر فأكثر إلى درجة أنه لن يعود في إمكانها الاستمرار.

قد يكون بنيامين نتنياهو عاجزاً عن قراءة المتغيّرات، لكن عدداً كبيراً جداً من الإسرائيليين يدركون تماماً أبعاد ما يجري حولهم. ربما حان الوقت كي يتنحّى ويفسح في المجال أمام صعود ديبلوماسية إسرائيلية تبحث عن نقاط اتّفاق مع العرب والمسلمين بدل سياسة العين بالعين التي سادت بين الجانبين عقودا طويلة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل