لم تكن العاصفة التي أثارها البطريرك الراعي البداية ولن تكون النهاية في مسلسل تداعيات الأزمة السورية على لبنان. فهذه العاصفة ترتبط بخصوصية بكركي وموقعها وثوابتها ومسلماتها أكثر من ارتباطها واقعاً بالحدث السوري نفسه، ولو لم يكن مطلقها سيد بكركي لما استقامت أكثر من زوبعة في فنجان، بدليل أن أحد أكبر متلقفيها الداخليين العماد ميشال عون ذهب أبعد من البطريرك في "جزمه" مطمئناً (ولا ندري مَنْ) الى ان النظام السوري لن يسقط ولم يثر كلامه أدنى ضجة.
إذاً، المسألة ترتبط بقياس الضرر أو النفع حيال هذه العاصفة على بكركي أولاً وأخيراً. وإذا كانت الخشية واضحة وكبيرة ومثبتة في ترجيح كفة الضرر، فإن ذلك لا بد من أن يستتبع إضاءة على الجانب الآخر المتّصل بالتداعيات السلبية والذي يحتّم ترميم هذا الضرر واحتوائه بأقصى سرعة ممكنة من منطلق التأثير الهائل الذي لا تزال تمتلكه بكركي في رسم معالم المشهد الوطني اللبناني.
لنقل أن موجة الغضب العارمة التي فجرها البطريرك لدى قوى 14 آذار حصراً، سواء كانت معلنة أو مضمرة، شكلت استفتاء حقيقياً ملموساً لمدى تأثّر نصف اللبنانيين على الأقل بأي موقف يصدر عن بكركي. ولنقل أن موجة التلقّف التي قابلت بها قوى 8 آذار، معلنة كانت أم مضمرة أحياناً، مواقف البطريرك تدل على افتقارها المزمن إلى غطاء مرجعية بحجم بكركي. بذلك يغدو الأمر من مقلبه الإيجابي المفترض استفتاء مباشراً لقوة تأثير المرجعية البطريركية المارونية، وهو أمر لا يحتاج إلى دليل نظراً إلى تاريخها العريق الطويل في المصير الكياني اللبناني على امتداد العصور. غير أن بكركي ليست زعامة سياسية ولم تكن يوماً ولن تكون في يوم في حاجة إلى نوع كهذا من الاستفتاءات على رغم ما تمليه موجبات تحديث الكنيسة وأنماط تعاملها مع المتغيّرات السياسية والاجتماعية من تغيير حتمي في الاساليب المتوارثة وتجديدها.
وبالمعنى الأكثر وضوحاً فإن ثمة خلاصة لا جدل حولها في ما أثارته عاصفة البطريرك الراعي، وهي ان بكركي رسخت في أذهان اللبنانيين معنى التوجهات والمسلمات الثابتة التي قد يستحيل الحياد عنها حتى وإن حصل ما يبرر ذلك في ظرف من الظروف. وليس في "الانقلاب" الذي قابلت به قوى 8 آذار وداعمها الاقليمي تحديداً مواقف البطريرك سوى الدليل على ذلك.
بمعايير السياسة، قد يبدو المشهد ديموقراطياً تتسع له التفاعلات اللبنانية الحارة. لكن بمعايير بكركي، لا يحتمل الأمر أقل من اقتلاع العاصفة وأضرارها بالمسلمات غير القابلة للجدل.