"نحن الذين لجأنا الى المغاور والكهوف في عهد الظلم والظلام طوال مئات السنين، في هذه الأرض، وعلى هذه الشواطىء، ليسلم لنا الإيمان بالله وعبادته على طريقتنا، ولتسلم لنا الحرية التي إذا عدمناها عدمنا الحياة". (الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير)
ليست الحريّة شعاراً اجوف تغنّى به الموارنة طيلة تاريخهم المديد واستهلكوه تبعاً لتقلبّات بعض الظروف والأمزجة، وإنما الحقيقة تُقال، ان هذا الشعار هو بحدّ ذاته من استنفد الموارنة واستهلكهم قبل ان ينثرهم حبّات حنطة عند تلال لبنان ومنحدراته، وفي المغاور والأديرة وداخل كل صومعةٍ تمرّدت على حكم الطغاة والمستبدّين.
فأمجاد الموارنة ودماؤهم نُذرت للحريّة، قبل ان يُعطي لبنان مجده للموارنة…الحرية هي الشجرة، ثم لبنان كان الثمرة…وهكذا انبتت مغاور الحرية في كفرصارون وحوقا وصوامع النسّاك والقديسّين، كياناً حُراً مستقلاً، وهكذا ايضاً استحالت عظام شهداء الموارنة عُصّيٍ من خشب في أيدي بطاركةٍ من ذهب، لم ينزلقوا الى مهالك التجربة محافظين على ورعهم وتقواهم وتقشّفهم وابتعادهم عن الملذّات الجسدية والمظاهر الخدّاعة، فمِنهم من قاتل حتى الإستشهاد دفاعاً عن حريّة جبال الأرز كدانيال الحدشيتي او لوقا البنهراني، ومنهم من استشهد ولم يرضخ للذمّية كجبرائيل الحجولا، ومنهم من وضع اللبنة الأولى للكيان الحرّ كإسطفان الدويهي، ومنهم من أنشأ هذا الكيان الحر كإلياس الحويّك، ومنهم ايضاً وايضاً من أعاد تحرير هذا الكيان برغم كل الترغيب والترهيب والصعوبات كنصرالله صفير… هؤلاء جميعهم عملوا بوحي الثوابت التاريخية للشعب الماروني، فاستحقّوا لقب الراعي الصالح قلباً وقالباً، وادخلهم تاريخ لبنان والشرق سجلاتّه عبر بوابته العريضة…
إن هذا التلازم الوجودي بين الموارنة والحريّة كان الدافع الأول لهم لنصرة كل مظلومٍ ومُضطهد في هذا الشرق حتى باتت تسمية جبل لبنان رديفةً للجبل الملجأ الذي احتضن في احشائه بذور الحرية والتحررّ بوجه الطغيان والإستبداد والإقطاع وكل أنواع التعصّب الديني او المذهبي. ولعلهّ من المفيد الإشارة الى ان ثورة المنيطرة التي اندلعت في العام 759م والتي أثارها مسيحيّو جبل لبنان بوجه الإستبداد حدت بالعديد من المؤرخين الى اعتبارها مقدّمة للثورات السياسية والإجتماعية التي شهدتها الخلافة العباّسية آنذاك، تماماً مثلما شكّل بيان مجلس المطارنة الشهير في العام 2000 وبعده ثورة الأرز في 14 آذار 2005 مقدّمةً للربيع العربي، ولعلّه من المفيد اكثر واكثر لفت نظر بعض من خانتهم الذاكرة، الى ان سجلاّت التاريخ الماروني تُدوّن بكثيرٍ من التقدير والإمتنان موقف أحد كبار علماء أهل السنّة الإمام الأوزاعي الذي وقف في صفّّ الثوّار المسيحيين مدافعاً عن حقّهم البديهي في الحريّة والمساواة… وكما ثورة المنيطرة، كذلك اعتُبرت ثورة الفلاحيّن في كسروان العام 1858م السبّاقة في الشرق لناحية التخلّص من الإستبداد وحكم الإقطاع.
من هنا فإن الموارنة شكّلوا على الدوام رأس حربةٍ في الدفاع عن حقوق المظلومين والمُضطهدين في هذا الشرق، ورسالتهم هي باختصار رسالة الحرية والإنسانية، لذلك كانت مساهماتهم الجبّارة على صعيد النهضة الثقافية من خلال استقدام آلات الطباعة، ونشر العلم والمعرفة… فالحرية بمفهومها العام لا بد وان تشتمل اولاً على حريّة التعبير عن الرأي لا على ممارسة الإرهاب الفكري والمعنوي، والحرية تعني ايضاً جدلاً وتفاعلاً وتعددية تُسهم في التطوّر الإنساني، لا آحادية وفردانية تؤديان الى بروز تياراتٍ رجعية وأصولية، والحرية تعني الحق في المعرفة والتنوّع الثقافي لأن التعتيم الإعلامي والبرمجة العقائدية يخلقان مواطنين جامدين صنميين. الحرية إذاً تنشد النور، فيما القمع والإستبداد والآحادية لا تُنتج إلاّ ظلمةً ومزيداً من التعصّب والظلامية… يقول الإنجيل "تعرفون الحق والحق يحرركم"…
والموارنة، كما اي إنسانٍ حرّ آخر، لا يمكن ان يشيحوا بنظرهم عن نور الحق او ان يُطفئوا هذا النور خوفاً من ظلمة الإستبداد، وإنما الظلمة تحدوهم لأن يتشبّثوا بالنور اكثر فأكثر…
إنطلاقاً من هذا العرض الموجز يتضّح ان الحرية بمفهومها الشامل والعريض والمبدئي تُشكلّ إحدى الثوابت التاريخية للموارنة، ولا يمكن بالتالي لأي ماروني مهما علا شأنه ان يدعّي "المارونية"ً، بموازاة مجاهرته بتأييد القمع والإستبداد…فالمارونية ليست هويةً طائفية او ثقافية بقدر ما هي مسؤولية تاريخية…
يقول ابراهام لينكولن وهو احد اهّم أعلام الحرية في العصر الحديث "إن من ينكر الحرية عن سواه، ليس هو نفسه جديراً بهذه الحرية"…
لذلك فإن الموارنة الذين كانوا جديرين بالحريّة، كما اثبت تاريخهم، لا يمكن ان ينكروا هذا الحقّ عن غيرهم…وهذا موقفٌ مبدئي وأخلاقي وإنساني ينسجم مع الثوابت المارونية، ولا تدخل في ثناياه تفاصيل الحسابات السياسية أو الأقلوّية او الشخصية، او الدنيوية الضيقة…
إنه مسؤولية تاريخية وموقف حياةٍ بالنسبة للموارنة…فالماروني لا يكون مارونياً بالفعل إلاّ بقدر امانته لهذه المبادىء العامة التي شكلّت على الدوام علّة وجوده وعصب استمراريته، امّا "الماروني" الذي يقف في مصاف الأنظمة الإستبدادية والقمعية والدموية، تحت اي تبريرٍ كان، فهو في حقيقته ماروني بالإسم، وذمّي في المضمون…
ابعد من ذلك، ولإن نسي البعض او تناسى، فإن الدفاع عن نظام البعث الذي لا يعترف اصلاً بأي كيانٍ مستقل اسمه لبنان، يعني عملياً تزويد هذه العقيدة الهادمة للكيان اللبناني بجرعة اوكسيجين (حتى وإن كان لا الأوكسيجين ولا كل المنشطات تُجديها نفعاً بعد الآن) واستطراداً الطعن بمؤسسي هذا الكيان وفي مقدمّهم البطريركية المارونية… فهل ثمّة من يحاول ان يقود الخراف الى فم الذئب الحقيقي بحجّة حمايتهم من ذئبٍ إفتراضي؟
اكثر من ذلك، وبعيداً عن الثوابت المارونية او المواقف المبدئية، ومن منظارٍ براغماتي صرف: هل من يقف في هذا العصر الحالي الى جانب انظمةٍ ديكتاتورية استبدادية معزولةٍ متهاوية، سوى من فقد عقله وشحّ بصره..وعَميت بصيرته؟؟؟ ليس الأمر مسألة حظوظ ربحٍ او خسارةٍ سياسية بعد اليوم، إنها لعبة خاسرة برمتّها، لا مجال فيها لأي ربحٍ او تذاكٍ او فذلكةٍ سياسية، ولن تعود على المراهنين سوى بالخسارة…إنه رهانٌ خاطىء على مستوى المبدأ وعلى مستوى التكتيك والسياسة الواقعية ايضاً…والعودة عن الخطأ فضيلة…