يعتقد مرجع رسمي بأن لا سبيل الى تحقيق مصالحة لبنانية – لبنانية ولا حتى مسيحية – مسيحية قبل ان تظهر نتائج الثورات الشعبية في الدول العربية وخصوصا في سوريا ومعرفة اي حكم سيقوم فيها واي نظام. ذلك ان كل طرف في لبنان يراهن على نتيجة تتمخض عنها الاحداث في سوريا ويحاذر ان يكون له موقف نهائي ومسبق من اي طرح يتعلق بالمواضيع المهمة والقضايا الاساسية مثل السلاح خارج الدولة والعلاقات مع سوريا، وكيفية تحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية المحتلة، خصوصا بعدما اصبح هذا السلاح عقدة العقد عند البحث فيه سواء في مجلس الوزراء او في مجلس النواب او على طاولة الحوار.
الواقع ان المواقف باتت واضحة عند الطرفين اللبنانيين وتحديدا عند قوى 8 و14 آذار. فطرف يريد في المرحلة الراهنة وضع سلاح "حزب الله" في تصرف الجيش تمهيدا لتسليمه الى الدولة اللبنانية تطبيقا لاتفاق الطائف وللقرار 1701 وازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات تمهيدا لضبطه في داخلها لان لا سبيل للعبور الى الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها في ظل وجود لسلطة غير سلطتها وقانون غير قانونها وسلاح غير سلاحها، بحيث يمكن عندئذ القول ان لبنان نفذ القرار 1701 وما نص عليه اتفاق الطائف. في حين يريد طرف آخر ان يظل "حزب الله" محتفظا بسلاحه الى ان يتحقق السلام الشامل في المنطقة او اقله الى ان تنسحب اسرائيل من بقية الاراضي اللبنانية ويزول خطرها، وان تتحقق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم اذ من دون هذه العودة لا سلام شاملا وعادلا ولا وحدة وطنية ثابتة في لبنان وهو ما جعل الدستور ينص في مقدمته الميثاقية على الآتي: "ارض لبنان واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الاقامة على اي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على اساس اي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين".
هذا النص معناه انه اذا لم تتحقق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم، فإن لبنان قد يصبح معرضا لخطر التوطين، وهذا الخطر يجعله معرضا لخطر التجزئة والتقسيم.
اما بقاء السلاح خارج الدولة، سواء اكان لبنانيا ام غير لبناني، فإنه يبقي لبنان بلا دولة قوية تستطيع فرض قوانينها على الجميع بدون تمييز ولا استثناء بحيث لا يفرض الامن على فئة بالقوة وعلى فئة اخرى بالتراضي…
هذا الوضع الشاذ والمعقد الذي يعانيه لبنان لا خروج منه الا اذا انجلت صورة الوضع في سوريا. فإذا صمد النظام الحالي في وجه معارضيه، فإن لبنان قد يعود الى الوضع الذي كان فيه قبل عام 2005 اي خاضع لوصاية مقنعة من خلال قوى 8 آذار والمتحالفين معها. واذا حصل تعديل على هذا النظام بتنفيذ الاصلاحات المطلوبة، فإن ذلك ينعكس ايجابا على الوضع في لبنان بحيث يصير في الامكان تحقيق مصالحة لبنانية – لبنانية، ولبنانية – سورية، كما يصير في الامكان تنفيذ القرارات الدولية ولا سيما منها القرار 1701 الذي يقيم الدولة القوية القادرة على بسط سيادتها وسلطتها على كل الاراضي اللبنانية بحيث لا يبقى سائد ومسود وظالم ومظلوم وغالب ومغلوب، وتصبح احكام المحكمة الدولية بحق المتهمين في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وفي جرائم مماثلة قابلة للتسوية باعتماد عبارة "مضى ما مضى"…
اما اذا سقط النظام في سوريا تحت ضغط الثورة الشعبية، وقام نظام جديد مكانه وتحالف هذا النظام مع قوى 14 آذار وغيرها، فإن الحكم بكامله يصبح لهذه القوى، وتفقد قوى 8 آذار عندئذ قوة السلاح الذي كانت تفرض به رأيها ومواقفها على الآخرين لان هذا السلاح لا يعود يدخل الى لبنان عبر الاراضي السورية.
لكن الاوساط السياسية المراقبة ترى ان الوضع في سوريا ايا تكن النتيجة التي ينتهي اليها قد لا يجعل الحكم في لبنان حكم غالب ومغلوب ولمصلحة اي طرف لان مثل هذا الحكم لا يدوم ولا بد من ان يجتمع القادة اللبنانيون حول طاولة حوار للاتفاق والتوافق على صيغة حكم وصيغة نظام تعززان الوحدة الوطنية وترسخان العيش المشترك في اطار مصالحة وطنية حقيقية شاملة تصبح اكثر سهولة ومنالا.
لذلك فلا طاولة حوار للبحث في اي موضوع مهم في الوقت الحاضر ولا سيما في موضوع السلاح الذي يشكل الاتفاق على استخدامه والإمرة عليه جوهر الاستراتيجية الدفاعية، الا بعد ان تنجلي صورة الاوضاع في سوريا لتظهر عندئذ صورة الحكم في لبنان، أهو حكم غالب ومغلوب ام حكم لا غالب ومغلوب وهو ما تفرضه تركيبة لبنان الدقيقة والحساسة سياسيا ومذهبيا.