#dfp #adsense

أولويات مصر

حجم الخط

لا تتناسب النكتة التي جرى تداولها، عبر الهواتف الجوالة، مع الواقعة التي أدت إلى إطلاقها. تقول النكتة: "إذا حدا معه رقم عادل إمام يدق له تيرجع للعمارة… السفارة فضيت. ولعل ما أدلى به وليد جنبلاط أمس هو الرؤية الواقعية لما يمكن أن يتبع اقتحام السفارة الإسرائيلية في القاهرة: "قد يكون ضروريا إعادة النظر في اتفاق كمب ديفيد لناحية تعزيز الوجود الأمني والعسكري المصري في سيناء(…) ومطالبة البعض بإلغاء هذا الاتفاق يتطلب من العالم العربي بأسره الوقوف إلى جانب مصر، ماليا واقتصاديا وتنمويا، لتواجه التحديات الهائلة إذا ما أقدمت على هذه الخطوة".

لم يقل جنبلاط ما قال دفاعا عن "كمب ديفيد" بل حرصا – لا يحتاج إلى تأكيد – على الثورة المصرية التي، كما شقيقتها التونسية، لم تحقق بعد أهدافها الفعلية في إقامة دولة الحرية والديموقراطية والقانون، ولو أنها اسقطت النظامين السابقين. وكعب أخيل، في الحالتين، هو الخروج على أولوية بناء الدولة الجديدة، والغرق في الشعارات الشعبوية، وفي ذلك خدمة لأعداء التقدم والحريات في العالم العربي، وفي الطليعة إسرائيل، وأيضا للأنظمة المتهاوية التي تسعى إلى القول للعرب وأعدائهم في آن واحد، أن ضمان الاستقرار في المنطقة هو أنظمة الاستبداد التي تحترم التزاماتها، مكتوبة أو شفهية، ولو على حساب شعوبها وأراضيها المحتلة.

بهذا المعنى، لا يبعد تفجير خط الغاز في سيناء عن نية البعض، في الخارج قبل الداخل، تحوير الثورة المصرية عن سلم أولوياتها، وخصوصا أن الطريق الدولية القانونية إلى إلغاء الاتفاق أو تعديله أو تحسين بنوده ومراجعته، معروفة، وأن الخفة في التعامل مع هذا الموضوع، تحديدا، تستبعد السؤال الحقيقي والجدي: ماذا يتبع؟ هل هي العودة إلى الحرب وإعادة احتلال سيناء، فيما العالم العربي أكثر تشتتا مما كان عليه قبل 32 سنة، ويعيش لحظة إعادة ولادة انتظرها منذ سقوط حلم دولة الشريف حسين؟

لم يكن "السلام" يوما حارا بين مصر وإسرائيل، وباستثناء السنوات الثلاث الأولى التي أعقبت توقيع الاتفاق، فإن الشعب المصري لم يسر بها، ولا تزال الذاكرة زاخرة بوقائع عدة منها ما تعرض له أول وفد سياحي اسرائيلي قصد القاهرة فلقي ما يكفي من المضايقات ليجفل الاسرائيليون أمام فكرة المجيء إلى مصر. كما لا يمكن نسيان الجندي المصري سليمان الذي وصف حينها بالمجنون، بعدما أطلق النار على مجموعة سياح اسرائيليين في سيناء.

الهجوم على السفارة الاسرائيلية في القاهرة لا يستهدف كمب ديفيد أو اسرائيل بقدر ما يستهدف مصر وارباكها وضعضعة أولويات ثورتها، من أجل اسقاط الثقل المصري العائد إلى العرب، لتخلو الساحة لقوى إقليمية لم يسعدها سقوط النظام السابق، الذي أخلى لها المجال منذ أخرج أنور السادات القاهرة من عباءة زعامتها، وحيّدها عن الصراع العربي – الإسرائيلي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل