كعادته أطل وزير الطاقة والمياه جبران باسيل متهوراً يطلق الإتهامات يمنة ويسرة غير مدرك بحقائق الأمور، والأهم أنه غير عالم بما يطالب به. فهو قالها صراحة "البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ساهم في اطلاق الارشاد الرسولي وحان الوقت للعمل به، فوثيقة السينودوس تدعونا الى الانفتاح والاندماج في المنطقة"، مشيراً إلى أن الوضع المسيحي اليوم هو نتيجة ممارسات في العهود السابقة. وأضاف: "ان جماعات محدودة متطرفة صبغت المسيحيين، ونحن من ضمن السياق العربي العام وليس مع بعض الحكام الخارجين عن السرب"، لافتاً إلى أن الاكثرية المسيحية مع سلاح "حزب الله".
لمعالي الوزير نوضح وبلسان البطريرك الراعي، أن الإرشاد الرسولي وبحسب تفسير غبطته له يهدف إلى ما هدف إليه السينودوس من أجل لبنان، الذي أطلقه الأب الأقدس في 12 حزيران 1991. وهذا التفسير أتى يوم كان رئيس أساقفة جبيل في ندوة تحت عنوان (الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان") نشرت في "مجلة جامعة الروح القدس الكسليك القانونيّة" في 11-8-1998.
كما اشار الراعي إلى أن الإرشاد الرسولي يهدف إلى مساعدة اللبنانيين على رفع تحدي المصالحة والأخوّة والحريّة والتضامن التي تشكل الشرط الأساس لوجود لبنان، لافتاً إلى أن هذه قيما إنسانيّة إلى جانب الرجاء الذي في اللبنانيين والثقة في نفوسهم، والتعلق بوطنهم وبتقليده الديمقراطي. وأضاف: "بذلك يعملون بوعي وصبر على إزالة أهم 6 صعوبات راهنة وهي: الإحتلال المهدد في جنوب لبنان، الأزمة الإقتصاديّة في البلاد، وجود قوّات مسلّحة غير لبنانيّة على الأرض الوطنيّة، استمرار مشكلة عودة المهجرين من دون حل كامل، خطر التطرّف والشعور بالغبن الذي ينتاب بعضهم"، موضحاً أنه إذا ما أفلح اللبنانييون في هذه المهمة المشتركة، تمكنوا من إزالة نتائجها الثلاث: "التصرّف وفقاً للأهواء، الخطر المهدد للديمقراطيّة والحضارة التي يمثلها لبنان وتجربة الهجرة التي تترصد اللبنانيين وخصوصاً شبيبتهم.
وتابع الراعي: "الهدف من هذا الإرشاد الرسولي إعادة إحياء لبنان (…) كما كان يقول قداسته (البابا الراحل مار يوحنا بولس الثاني) "لكي يستعيد البلد استقلاله التام وسيادته الكاملة والحريّة التي لا لبس فيها".
إذاً لم يأت هذا الإرشاد لا على ذكر المقاومة ولا على ذكر السلاح وإنما دعا إلى المحبة والأخوّة والتضامن والعمل على بناء الوطن والمؤسسات. لم يأت هذا الإرشاد على ذكر تحالف الأقليات أو الإندماج بالمنطقة بل تكلم عن الإنفتاح وشتان ما بين إندماجكم وانفتاحنا.
كما تجدر الإشارة إلى أنه إن تكلّم هذا الإرشاد عن التطرّف فهو عنى به كل التطرّف من كل الجهات، ووضعيّة "حزب الله" ليست خارجة عن هذا الإطار، فلا يمكن لباسيل المطالب بالإرشاد الرسولي والتعلق بالسلاح معاً. ولكننا سنوافق باسيل لمرّة في أن "الوضع المسيحي اليوم هو نتيجة ممارسات في العهود السابقة". فصحيح أن الإستقلال والحريّة هما نتيجة عمل وجهد الكنيسة المارونيّة بمجموع أساقفتها ومن ضمنهم البطريرك الراعي. ومن منا لا يذكر مصالحة الجبل ونداء المطارنة في العام 2000.
لذا على معالي الوزير قبل الطلب من البطريرك الراعي تنفيذ الإرشاد الرسولي أن يقوم هو بإعادة نظر عميقة وجديّة لمسار تياره السياسي الملتوي والذي يضرب هذا الإرشاد روحاً ومضموناً.
أما لجهة ان "جماعات محدودة متطرفة" صبغت المسيحيين، أما هم فمن ضمن "السياق العربي العام" وليس مع بعض "الحكام الخارجين عن السرب". فنسأل باسيل أين هو وتياره من السياق العربي العام لا بل الإجماع العربي على إدانة العنف والقمع الذي يقوم به النظام السوري (أي بعض الحكام الخارجين عن السرب) والمتجسدة بمواقف "جامعة الدول العربيّة؟". وبالنسبة للـ"جماعات المحدودة المتطرّفة" فالأفضل لباسيل عدم تشويه تاريخ حفر بالدم على صخور صمود هذه الجماعات "المحدودة" التي كانت ولا تزال تمثل الأكثريّة الساحقة من المسيحيين في لبنان ونتائج الإنتخابات السابقة وتحديداً في منطقة البترون خير دليل على ذلك، وهذا ما يؤكد أن أكثريّة المسيحيين هي ضد السلاح بعكس مزاعم معاليه.
من جهة أخرى، قال باسيل: "أي شخص مهما علا شأنه لا يمكنه الحكم على نزاهة موظفين توجد ملفات قضائية بحقهم، ولا يمكن لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي ان يغطي عدداً من الموظفين بسبب طائفتهم"، مشيراً إلى أن وزير الداخليّة والبلديات لا يمكنه ان يبرىء شخصاً خالف القانون. وهنا نسأل أليس هذا الكلام منطبقاً أيضاً على أعضاء تكتل "التغيير والإصلاح" وجنرالهم وتحديداً في موضوع عمالة العميد فايز كرم؟ "إذ أن أي شخص مهما علا شأنه لا يمكنه الحكم على نزاهة موظفين توجد ملفات قضائية بحقهم"، وهذا ما يظهر أن ما يرمى من مبادئ من قبل باسيل هنا وهناك ليس سوى مواقف إعلاميّة هدفها التضليل والتورية.
مضحك كيف أن باسيل تحوّل إلى ناطق رسمي باسم "حزب الله" إذ أنه عمد إلى الجزم خلال اطلالته بأن الحزب لن يرد على حوادث برج البراجنة، معتبراً أن من الخطأ تسليح مجموعات سنية لخلق توازنات في البلد. وكأنه يريد من الناس أن تقدم أعنقها للذبح بفرح عظيم.
وأخيراً، غريب كيف أن بعض الناس السيئين يعطون أدواراً كبيرة بسبب الحسب والنسب فينبرون يحاضرون بالوطنيّة وكأن الناس لا تدرك حقيقة واقعهم المزري، ويطلون عبر شاشات التلفزة ليمعنوا في تشويه التاريخ والحقائق وكأن نسبهم أصبح الشرعيّة التي تستمد منها السلطة في البلاد. فيصبح الدستور رأياً يعمل به عند تطابقه مع مصلحة هؤلاء لا أكثر والتاريخ رواية يعدل بها هؤلاء ما يشاؤون والشرعيّة غائبة في ما يمارسونه من سلطة. "فويل لأمة سائسها ثعلب، وفيلسوفها مشعوذ، وفنها فن الترقيع والتقليد".